صدمنا جميعا بنبأ انتقال الأمير سعود الفيصل فجأة إلى الرفيق الأعلى. وبطبيعة الحال كان لهذا الخبر وقع الصاعقة على كل من عرف هذا الإنسان أخلاقا وفكرًا ومسلكًا، ومع عظم المصيبة التي حلت بنا جميعا لفقدان الراحل الكبير، فإن الجميع يدرك أن أمثال هذا الرجل عندما يغادرون عالمنا، فإنهم يتركون وراءهم قدرًا من التأثير والحضور في ذاكرة ووعي كل من عرفهم وعمل معهم، فيصبح الراحلون مع غيابهم حاضرين ومؤثرين.
عندما طرقت باب وزارة الخارجية في مارس (آذار) من عام 1980، قادمًا من الولايات المتحدة متأبطًا شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة جورج تاون.. كان الأمير سعود الفيصل حينها قد مضى على تسلمه وزارة الخارجية خمس سنوات، ولم يخطر في بالي وقتئذ أن وجهتي ستؤول إلى مكتبه بفرع الوزارة بمدينة الرياض في غضون شهور من تعييني في المقر الرئيسي لوزارة الخارجية في جدة، وقد تم ذلك بناء على توجيه منه شخصيًا أبلغني به مدير عام مكتبه في ذلك الوقت السفير حسان الشواف (شفاه الله)، وبالفعل حزمت حقائبي واصطحبت عائلتي الصغيرة متجها إلى الرياض للبدء معه رحلة عمر وعمل متواصلة استمرت نحو أربعة وثلاثين عامًا، حتى أتانا الخبر المفجع بوفاته يوم الخميس الموافق الثاني والعشرين من شهر رمضان المبارك. وقد أصاب الشاعر كعب بن زهير حين قال:
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته
يومًا على آلة حدباء محمول
وفي حالة المغفور له بإذن الله الأمير سعود الفيصل، فإن الآلة التي نقلت جثمانه من لوس أنجليس إلى جدة بعد انتقاله للرفيق الأعلى هي ذات الآلة الطائرة التي استخدمها كمقر يتنقل بها وفيها من عاصمة إلى أخرى بحسب ما يقتضيه الحال، وتفرضه ظروف مهامه الشاقة والمضنية. كان في حالة سعي دؤوب ومتصل من أجل حل أو حلحلة القضايا الشائكة على الساحات العربية والإسلامية والدولية، إذ لا يكاد ينتهي من متابعة ملف حتى يشرع في استعراض ملف أو ملفات أخرى، يحتاج كل منها إلى فكره وجهده ومساعيه، ولقد سعدت وتشرفت بالعمل معه ومشاركته في متابعة الكثير من الأمور والقضايا على امتداد الحقبة الطويلة التي جمعتني به، سواء على أرض الوطن أو خلال تشرفي بمصاحبته في الكثير من رحلاته وأسفاره، وقد لمست طيلة هذه الفترة جملة الصفات والمناقب التي امتاز بها هذا الرجل من خلق رفيع، وتواضع جمّ وسرعة في البديهة لا يضاهيها إلا روح دعابته ونقاء سريرته، ناهيك عن علم غزير وثقافة متعددة الجوانب. أذكر على سبيل المثال خلال رحلة العودة من إحدى سفراتي معه قادمين من بكين إلى جدة، أنني ظللت أكتب محاضر الاجتماعات مع القيادات الصينية كلها؛ الأمر الذي استغرق مني زمن الرحلة بكاملها، وكان طيلة كتابة هذه المحاضر يتردد على مقعدي بين الفينة والأخرى، في الوقت الذي خلد فيه معظم من في الطائرة إلى النوم والراحة، وبقي يقظًا ومتابعًا من باب لطفه ودماثته لإشعاري بأن هناك من يشاركني عناء العمل الذي أوكل إليّ.
كانت روح المشاركة والرغبة في تحسس مشاعر الآخرين ومراعاتهم سمة بارزة في خلقه وسجيته. ولقد تجلّت هذه الروح في مسلكه في كل مرة صحبته وزملائي الكرام في مهامه وحالاته العديدة، خاصة رحلتنا السنوية المعتادة إلى نيويورك لحضور دورات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وإذا كنا قد فقدنا برحيله رجلاً يصعب أن يجود الزمان بمثله، فإنني شخصيًا أدين له بالشيء الكثير مما لا يمكن حصره من أشكال الفضل والرعاية والعطف التي أحاطني بها طيلة عملي معه منذ التحاقي بالعمل في وزارة الخارجية. وعلى نحو خاص لا يمكن أن أنسى لطفه وعطفه عليّ حين التقيته لآخر مرة في باريس وقبيل سفره إلى لوس أنجليس، حيث دعاني للقاء معه والتشرف بمشاركته على مائدة العشاء برفقة نفر من أفراد أسرته الكريمة.
إن سرّ عظمة سعود الفيصل تكمن في قدرته الفائقة على جعل كل من تشرف بالعمل والتعامل معه أن يشعر بتميز علاقته معه، في الوقت الذي يحظى فيه جميع من صاحبوه بالقدر ذاته من العطف والرعاية والاهتمام. بقي لي أن أقول إن من حقه علينا ألا نكتفي بتسطير وسرد خصاله وصفاته ومآثره التي أشار إليها الكثير ممن كتب أو تحدث عنه منذ لحظة وفاته وحتى اليوم. أقول إن من حق هذا الرجل علينا أن نخطو خطوة أخرى تنقلنا من حيز المديح والإشادة الذي يستحقه بكل جدارة، والتوجه إلى تقصّي وتحديد المرتكزات الأساسية للفكر السياسي لوزير الخارجية السابق مع ما يستدعيه ذلك من سبرٍ واستكشاف لملامح ومميزات النهج الذي اختطه في تعامله مع القضايا والمسائل التي اشتغل بها طيلة فترة عمله، منذ أن تقلد منصب وزير الخارجية إلى حين ترجله عن هذا المنصب، وفي هذا الصدد يحضرني على سبيل الذكر وليس الحصر القضية الفلسطينية، والمسألة اللبنانية، وموضوع الاحتلال الغاشم للشقيقة الكويت، وانعكاسات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، وما آل إليه العراق من ظروف وأحوال، وما صاحب وأعقب موجات الربيع العربي من هزات وزلازل، وصولا إلى قضية اليمن وعاصفة الحزم التي أعطاها آخر مساهماته ومساعيه من خلال الاتصالات التي أجراها عبر هاتفه منذ انطلاقة العملية، وحتى صبيحة اليوم التالي من مقر إقامته في شرم الشيخ خلال القمة العربية الأخيرة، ليضع وزراء خارجية الدول الكبرى في صورة أبعاد ومرامي التحرك السعودي في اليمن، ويضمن صلابة التحالف العربي الذي نشأ للتعامل مع مشكلته.
وفي تقديري أن هذا الأمر يستدعي منا جميعًا جهدًا منظمًا يشترك فيه فريق عمل يضم طائفة من العارفين بفكر ونهج سعود الفيصل، الذي استقاه من والده فيصل بن عبد العزيز، مرورًا بأعمامه خالد وفهد وعبد الله (طيب الله ثراهم) وصولاً إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله.
صحيح أن سعود الفيصل قد ورث عن أبيه الراحل فيصل بن عبد العزيز كل مقومات الشخصية الفذة، من حنكة سياسية ورباطة جأش، وقدرة فائقة على تحمل الأعباء والمسؤوليات الجسام، إلا أنه أضاف إلى ذلك كله ما يتفق مع تجربته الفريدة التي استقاها من الظروف العصيبة التي عاشتها منطقتنا أخيرًا. ويضاف إلى ذلك شغفه بالمعرفة في مختلف مناحيها وثقافة موسوعية تجاوزت الشأن السياسي لتطال مجالات وحقولا عديدة، مثل الفكر والأدب والاقتصاد والفلسفة والفنون، ناهيك عن إلمامه الواسع بالتراث واهتمامه الملحوظ بالطبيعة والبيئة.
هذا الكم الهائل من الموروث والمكتسب أفرز لنا شخصية استثنائية، هيأت لصاحبها إمكانية لعب دور تاريخي متعدد الجوانب لم تتضح لنا بعد مساحاته وأبعاده، وهو الشيء الذي لا بد أن يكون محل بحث ودراسة من قبل الباحثين والمؤرخين في مستقبل الأيام. أضف إلى ذلك المسألة المهمة التي كانت محل انشغال واهتمام كبير من قبل الأمير سعود في أيامه الأخيرة التي أشار إليها شقيقه الأمير تركي الفيصل في مقاله عن أخيه حين ذكر أن الأمير سعود الفيصل كان ينوي أن يسخر وقته وجهده بعد عودته في مواجهة الفتنة الكبرى التي يعيشها المسلمون هذه الأيام من خلال سلسلة من الأبحاث والمقالات من باب الإسهام للخروج من هذه المحنة.
إن واجب الوفاء والعرفان لهذا الرجل النبيل، أن نسعى جاهدين لترجمة رؤاه وتطلعاته إلى خطة عمل وبرنامج تنفيذي يحقق شيئًا مما كان يدور في ذهنه، ويعتمل في فكره تجاه حاضر ومستقبل أمتنا.
رحم الله سعود الفيصل الإنسان المؤمن صاحب الفكر النير والنهج المتميز، وأسكنه فسيح جناته، وغمره بعفوه وغفرانه.
* وكيل وزارة الخارجية السعودية للعلاقات الثنائية
10:10 دقيقه
TT
سعود الفيصل.. الإنسان والنهج
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
