الياس حرفوش
صحافي وكاتب سياسي لبناني، عمل مسؤولاً في القسم السياسي في مجلتي «الحوادث» و«المجلة»، وكان له مقال أسبوعي فيهما. كما عمل في صحيفة «الحياة» التي شارك في إدارة تحريرها، وكان كاتباً ومشرفاً على صفحات «الرأي» فيها. أجرى العديد من المقابلات مع شخصيات عربية ودولية، وشارك في حوارات ومقابلات تلفزيونية معلقاً على أحداث المنطقة.
TT

وصفة نصر الله لما بعد الانتخابات

للذين يراهنون على قدرة نتائج الانتخابات التي جرت في لبنان على تغيير المشهد السياسي، أو تحويل الطريق الذي يسير عليه البلد إلى خطٍّ آخر، جاءَ الجوابُ سريعاً من قادة «حزب الله» وأمينِه العام حسن نصر الله، من خلال ما عدّوها «قراءة موضوعية» لتلك النتائج.
كان واضحاً من تلك القراءة أنَّ هناك أربعة عناوين تحدد مشروع الحزب للمرحلة المقبلة، أو ما يمكن تسميتها «وصفة» لما بعد الانتخابات. ومعروف أنَّ الوصفات التي يقررها «حزب الله» للواقع اللبناني قليلاً ما تخطئ في إصابة هدفها:
1- العنوان الأول يتعلَّق بسلاح «حزب الله» وبالثلاثية التي يسميها «ذهبية» (الجيش والشعب والمقاومة) والتي تَمكَّن من فرضها في البيانات الوزارية لكل الحكومات التي شارك فيها. هذه القضية شكَّلت أساساً لحملة معارضي الحزب، الذين شملوا معظم الطوائف والأحزاب اللبنانية، باستثناء الطائفة الشيعية التي باتت قدرتها على مواجهة خطاب «حزب الله» وحركة «أمل» قدرة محدودة، للأسباب المعروفة.
استنتج «حزب الله» من خلال نتائج الانتخابات أنَّها شكَّلت «شبكة أمان» للحزب ولسلاحه، بفضل الحشود التي قال إنها صوّتت لمرشحيه في مناطق نفوذه، خصوصاً في الجنوب والبقاع، والتي رأى، بمقياس أعداد المقترعين الذين تجاوزوا نصف مليون ناخب، أنهم يشكلون أكثرية شعبية إلى جانبه.
هذا يعني أنَّ «حزب الله» يرى أنَّ معارضيه فشلوا في هدفهم الأساسي من هذه المعركة، وهو استعادة سيادة الدولة ومنع وجود أي قوة مسلحة خارج سلاح القوى الشرعية.
2- يرتبط بعنوان السلاح خطاب التخوين الذي يعتمده «حزب الله» حيال معارضيه. فأي مطالبة بنزع سلاح الحزب تستحق توجيه تهمة «العمالة» للمطالبين. فهم «عملاء» للأميركي وللإسرائيلي، وبالتالي فإنَّ الحزب الذي يرى نفسه «وصيّاً» وحيداً على مصلحة البلد، مستعد لمواجهتهم إذا «أخطأوا الحساب»، كما هدَّد النائب محمد رعد، رئيس الكتلة النيابية للحزب: «نرتضيكم خصوماً في المجلس النيابي، ولكن لن نقبلكم دروعاً للإسرائيلي ولمن وراء الإسرائيلي»، كما قال رعد بعد إعلان نتائج الانتخابات، التي فاخر فيها معارضوه بكسب الأكثرية، وبأن في يدهم ورقة تمثيلية تسمح لهم بمواجهة «حزب الله» في البرلمان اللبناني. رعد قطع الطريق عليهم مهدداً بـ«الحرب الأهلية»، إذا قرروا المضيّ في طلب نزع سلاحه: «إياكم أن تكونوا وقود حرب أهلية يقودكم إليها الإسرائيلي».
3- ربط «حزب الله» التهم الموجهة إليه بهيمنة سلاحه على قرار اللبنانيين بنتائج الانتخابات، التي يقول خصومه إنهم حققوا فيها نتائج متقدمة. يقول أمين عام الحزب: «كيف يكون سلاحنا مهيمناً فيما أنتم تذهبون بحرية إلى صناديق الاقتراع وتختارون من تشاءون، ولو كانوا من خصومنا؟».
وفي زلة لسان من نصر الله جاءت تؤكد الاتهامات بقدرة سلاح الحزب على تعطيل العمل السياسي في لبنان، يقول: «لو أردنا تعطيل الانتخابات لعطلناها». ما يُستنتج منه بوضوح أنَّ الحزب يعترف بهيمنته على القرار اللبناني؛ يسمح حيث يشاء ويمنع عندما لا يشاء. كما تؤكد زلّة لسان نصر الله أنَّه مستعد لاستخدام سلاحه لفرض إرادته على اللبنانيين، عندما يريد ذلك، بعكس ما يزعم قادة الحزب من أنَّ هذا السلاح مخصص فقط للمواجهة مع إسرائيل.
فوق ذلك، يذكّر نصر الله بأنَّه «سمح» بإجراء انتخابات في عامي 2005 (بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري) وفي عام 2009، وفي المرتين فازت أكثرية معارضة للحزب. لكن «حزب الله»، المتباهي بثقافته الديمقراطية، نسي أن يذكّر اللبنانيين كيف ردَّ على قيام تلك الأكثرية، وما الذي تمكنت من فعله في المرتين اللتين شكّلت فيهما الحكومات. في المرة الأولى كانت الاغتيالات لرموز أساسية من قوى «14 آذار» التي تجمعت في وجه النظام السوري و«حزب الله» بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وكذلك حصار مجلس النواب في وسط بيروت وهجمة 7 مايو (أيار) 2008 الذي عدّه نصر الله «يوماً مجيداً»، هي السبيل لقطع الطريق على عمل الحكومة، وفي المرة الثانية كانت استقالة الوزراء الشيعة من حكومة الرئيس سعد الحريري سنة 2011 والتذرع بفقدان «الميثاقية» سبيلاً إلى الإطاحة به وبحكومته. وكان ذلك رداً على تحقيقات المحكمة الدولية لمحاكمة المتهمين باغتيال رفيق الحريري.
4- ما سبق يعني أنَّ قيام الأكثرية في لبنان عبر الانتخابات لا يعني شيئاً في نظر «حزب الله». لذلك سارع نصر الله إلى الإعلان أنَّ الانتخابات الحالية لم تُنتج أي أكثرية، مع أن الواضح من النتائج أن القوى المناهضة لمشروعه يضم مجموعها أكثرية في المجلس الجديد. للالتفاف على هذا الوضع، يدعو نصر الله الآن إلى قيام حكومة «وحدة وطنية»، وإلى ما يسميها «الشراكة والتعاون». والهدف من هذا الطلب واضح، وهو استخدام بدعة «الثلث المعطل» لشل عمل الحكومة من الداخل، ما دام لا يملك الأصوات التي تسمح له بفرض حكومة أكثرية موالية، كما فعل في السنوات الماضية. وقد سبق للنائب محمد رعد أن ذكّر المعارضين قبل الانتخابات بأنَّ «عليهم أن يفهموا إذا كانوا يفكرون أن يحكموا بالأكثرية أنَّ الأكثرية لا تستطيع أن تحكم في لبنان».
هذه هي الصورة التي يقدمها «حزب الله» للبنانيين وللمعنيين بوضع لبنان حول نتائج الانتخابات الأخيرة: لم يتغير شيء. نحن هنا بجهوزيتنا وبسلاحنا. لسنا مهتمين بانتخاباتكم ولا تعنينا أكثريتكم. وإذا شئتم أن تستخدموا ديمقراطيتكم في وجهنا، سنعدّكم في صف العملاء، وستكون الحرب الأهلية سبيلنا لتصفية الحساب معكم.
ويجب الاعتراف بأنَّ «حزب الله» على حق. إذ لا معنى للانتخابات في بلد يملك فيه أحد الأحزاب المشارِكة سلاحاً قادراً على فرض سطوته على العملية السياسية، إذا خرجت النتائج من الصناديق بغير ما يشتهي.