تكهن كثير من الناس بأن إدارة رئيس الوزراء بوريس جونسون ستكون أشبه بالحريق المشتعل، لكنني لا أعتقد أن أحداً توقع أن تكون سريعة الزوال لهذه الدرجة.
لقد انتبه الناخبون على الأقل، وعاقبوه. خسر السيد جونسون وحزبه المحافظ في الانتخابات المحلية التي جرت يوم الخميس، بأكثر من 400 مقعد والسيطرة على عدد من المجالس، بما في ذلك مجلسان رئيسيان على الأقل في لندن. توقع الحزب ذلك وتسرب قبل الانتخابات أنه سيخسر 800 مقعد. وكان يأمل أن تبدو هذه النتائج كأنها نصر، مع ما كنا نتوقعه من انعدام الأمانة. ومن غير المرجح على نحو متزايد أن يُسمح لرئيس الحكومة جونسون بالبقاء رئيساً لحزبه في الانتخابات العامة سنة 2024. قد يكون ذلك، لكن لا ينبغي له، وإذا فعل، فهذا يعني أنه أخطأ تجاه سياستنا بشكل يتعذر إصلاحه.
تولى جونسون رئاسة الوزراء في يوليو (تموز) 2019، وفاز هو وحزبه في انتخابات ساحقة جرت في ديسمبر (كانون الأول). وبعد مرور ما يقرب من ثلاث سنوات، لا تزال بريطانيا تعاني من آثار «بريكست»، ويواجه الوباء أزمة في تكاليف المعيشة وتوقعات التضخم بمعدل يتجاوز 10 في المائة. لكن بدلاً من العمل العاجل الذي تقوم به الدولة، فإن الفضيحة تستحوذ على ويستمنستر، فتتحول فترات التوقف ما بين الفترتين أقصر وأقصر حتى نشوء الانطباع بوقوع كارثة كبرى.
كانت هناك أزمة ورق الحائط، حيث غطى جونسون شقته فوق 10 داونينغ ستريت بتصاميم مذهبة تكلفت أكثر من 1000 دولار للفافة الواحدة، لتسقط من على الجدران بعد ذلك. ثم كانت أزمة «دومينك كامينغز»، حيث قام أكبر مستشار سابق للسيد جونسون ومهندس «بريكست»، بالإبلاغ عن رئيس الوزراء الذي يجلس في مكتبه وهو يحلم بإقامة نصب تذكاري لشخصه على غرار أوغسطينوس.
لكن الأزمة الضخمة، والحدث الرئيسي، هي «بارتي - غيت»، وهي سلسلة من الحفلات غير المشروعة التي استضافها جونسون وموظفوه أو حضروها في ظل الإغلاق التام، والتي ضلل جونسون البرلمان بشأنها، وهي فعلة مستحقة للاستقالة بموجب الميثاق.
ظلت فضيحة «بارتي - غيت» مستمرة لأشهر على نحو عرضي كأنها مسلسل «هاوس أوف كاردس» الأميركي الشهير، لكنها كانت حقيقية وأكثر ترويعاً؛ إذ كانت هناك حفلة «أبا»، وحفل أعياد الميلاد، التي مُنحت فيها جائزة قيمة كما أشيع، وحفل عيد ميلاد بوريس جونسون. أقيمت هذه الحفلات بينما كان البريطانيون يفقدون وظائفهم وأعمالهم ويموتون في المستشفيات بعيداً عن أسرهم في كثير من الأحيان.
وإذا كان كسر القواعد بحفلات «بارتي - غيت» غير مهذب وعديم الكياسة، فإن هذا ينطبق أيضاً على الدفاع. بعد عيد ميلاد السيد جونسون الـ56 والمخالف للقانون خلال فترة الإغلاق الأول سنة 2020 (حفل عيد الميلاد) قال أحد المساعدين: «لقد تعرض، بمعنى من المعاني، إلى كمين مع الكعكة». هذا فصل جديد في رواية السيد جونسون المذهلة؛ فقد كان خصومه يتعاملون بإنسانية على الأقل.
وفي يناير (كانون الثاني)، حصلنا على النتائج الأولية من سو غراي - الموظفة المدنية المكلفة بالتحقيق في «بارتي - غيت» بعد تنحي سلفها، إثر ورود تقارير بأنه قد أقام حفلة مشابهة بنفسه. ثم أجرت شرطة العاصمة لندن تحقيقها الخاص، وغرّمت على أثرها أكثر من 50 شخصاً، بمن فيهم السيد جونسون وزوجته ووزير الخزانة.
ولم يتعرض أي رئيس وزراء بريطاني للمعاقبة لخرقه القانون أثناء توليه لمنصبه من قبل، ولكن هذه أيام عصيبة. وسوف يتم نشر ما تبقى من تقرير السيدة غراي عندما تنهي الشرطة تحقيقاتها.
الآن، وبعد وصول نتائج الانتخابات المحبطة، هل سينتظر نواب البرلمان تقرير السيدة غراي النهائي ليقرروا ما إذا كانوا سوف يحددون موعداً للتصويت بسحب الثقة من رئيس الحكومة جونسون من عدمه؟ يرجع ذلك جزئياً إلى عدم وجود خليفة واضح حتى الآن. كان ريشي سوناك، وزير الخزانة، يعد حتى وقت قريب المرشح الأكثر ترجيحاً لأنه مهندم، في حين يبدو السيد جونسون أشبه ما يكون بالشخصية غير الأنيقة. وفي بريطانيا نحن نفضل أي شخص لمنصب رئيس الوزراء. غير أن نجم السيد سوناك قد سقط، وتبين على غير المعروف أنه يحتفظ بحق الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة لفترة طويلة بعد أن صار عضواً في البرلمان، وتبين أن زوجته، ابنة الملياردير، تتمتع بوضع ضريبي خاص ولا تدفع أي ضرائب على عوائدها العالمية في إنجلترا. ولم يكن ذلك جيداً بالنسبة للناخبين الذين رفع السيد سوناك ضرائبهم للتو.
كانت ليز تراس، وزيرة الخارجية، وهي منافس آخر محتمل، تحاكي مارغريت ثاتشر من خلال التصوير وهي على متن دبابة، ولكن جهودها تتلاشى سريعاً في كل مرة تتحدث فيها. وفي فبراير (شباط)، سألها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عما إذا كانت قبلت بالسيادة الروسية على أقاليم «روستوف» و«فورونيغ» فأجابت بكلا، على الرغم من أن هذين الإقليمين موجودان داخل روسيا.
لكن حتى إن أمكن العثور على خليفة للسيد جونسون، فقد لا يكون ذلك كافياً لإصلاح الحزب. ربما بدأ الفساد من أعلى الهرم، ولكنه مستمر. ويميل السيد بوريس جونسون إلى تشجيع غير الكيانات ومقدمي الرعاية خوفاً من التحدي، ولا يتحول بسعادة إلى تناول المواضيع الجادة. ويخلف طيشه وفساده الشخصي الانطباع بذلك.
تقدم عضو برلماني محافظ باستقالته العام الحالي إثر إدانته بالاعتداء جنسياً على مراهقة؛ كما علق الحزب عضوية عضو آخر إثر ادعاءات بالتحرش الجنسي وتعاطي المخدرات؛ وهناك ثلاثة وزراء من بين 56 نائباً آخر من كلا الحزبين يخضعون للتحقيق بتهمة ارتكاب جرائم جنسية.
أحدث الفضائح المتنافسة، على الرغم من أنها لم تعد كذلك في توقيت قراءة المقال، أن نيل باريش، النائب المحافظ أيضاً، استقال بعد اعترافه بأنه شاهد المواد الإباحية مرتين على هاتفه الذكي في مجلس العموم. ودفاعه للمرة الأولى أنه كان يبحث عن ماكينة للحصاد تسمى «دوميناتور»، وتعني الشخصية المُسيطرة. (ربما تكون تلك الشخصية هي الزعيم الذي تحتاجه البلاد) ويملك النائب تلك الماكينة، نظراً لأن دائرته الانتخابية ريفية، وكان يبحث عنها على الإنترنت أثناء مجريات التشريع. ولكنه عثر على المواد الإباحية بدلاً من ذلك، ولأنه رجل بسيط، واصل المشاهدة. ولكن جريمته الكبرى أنه تابع المشاهدة متعمداً في مناسبة أخرى مجدداً، كما قال لهيئة الإذاعة البريطانية، وأضاف: «لقد ارتكبت خطأ فادحاً وأنا هنا لإخبار العالم».
* خدمة «نيويورك تايمز»
10:45 دقيقه
TT
الناخبون البريطانيون يعاقبون بوريس جونسون
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
