جمعة بوكليب
كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
TT

أفلامُ رعب لإنقاذ البشرية

الجلسة الافتتاحية في الأسبوع الماضي، بمدينة غلاسكو الاسكوتلندية، لمؤتمر «كوب 26» للتصدي دولياً للتغيرات المناخية، وإنقاذ الحياة البشرية، لا تختلف كثيراً، من وجهة نظري، عن مشاهدة شريط رعب سينمائي طويل. على الأقل، هذا ما شعرتُ به شخصياً، وأنا أتابع وقائعها تبث مباشرة على الهواء، على شاشة التلفزيون. فالمتحدثون من الجنسين، يمثلون مختلف قارات العالم، اعتلوا المنصة، واحداً تلو آخر، ووقفوا أمام مكبرات الصوت، وتنافسوا على إرهاقنا بما أطلقوه من تهديدات مرعبة، وما قذفوه في وجوه المتابعين من تحذيرات مسمومة، منذرة بقرب نهاية العالم. فبدوا كأنهم مبشرون، بُعثوا من العصور الوسطى، وجاءوا محذرين ومنذرين بحدوث الزلزلة الأخيرة، مباشرة عقب انتهاء المؤتمر، الذي أسبغوا عليه وصف مؤتمر إنقاذ البشرية، الأمر الذي يجعل المشاهد ينكمش في مقعده من شدة الخوف والرعب. مبعث الخوف ليس التهديد المتكرر بنهاية الدنيا، لكن السرعة غير العادية التي سينتهي بها العالم، والطريقة غير الإنسانية جداً التي ستؤدي إلى نهايتنا السريعة ونهاية الحياة البشرية. تلك السرعة المتوقعة منهم تحديداً، ربما جعلت كثيرين من المشاهدين، يفكرون في مغادرة أماكنهم، والمسارعة بإنجاز ما تكاسلوا عن أدائه من أعمال وأشغال في الأيام السابقة، قبل أن يغرق العالم بمن فيه وعليه في اليوم التالي. أوبئة، وفيضانات، وحرائق، ومجاعات، ومصائب وكوارث لا تحصى، عددوها محذرين، ومرفوقة بصور كبيرة، تظهر على شاشة سينمائية من ورائهم، لإقناعنا بأن الدنيا ليست بخير، وأن معشر البشر في طريقهم إلى الاندثار، على وجه السرعة. ولا فرق، في تلك النهاية البائسة والمحزنة، بين الأخيار منهم والأشرار. بل كلهم سيتجرعون الموت والهلاك من الكأس نفسها، وفي الوقت ذاته.
حضور 120 من رؤساء الدول للمؤتمر، وممثلين عن 197 دولة في العالم، يذكر بما حدث في مؤتمر التغير المناخي بباريس عام 2015، لمناقشة جدول أعمال لا يختلف عن أجندة مؤتمر غلاسكو. لكن ما نجم عنه من توصيات، واتفاقات، تبقت إلى يومنا هذا حبراً على ورق، كما أكد ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز في كلمته. وما حدث حقيقة بعد انفضاض ذلك الحدث، أن عجلات الإنتاج في مناجم الفحم والمصانع واصلت دورانها واستمرت في تلويث البيئة.
المعلقون، في مختلف وسائل الإعلام، تعرضوا للمفارقات التي شابت الحدث الدولي؛ أهمها أن مدينة غلاسكو اختنقت باستضافة جيش من الوافدين الرسميين والمحتجين. أكثر من 25 ألف مشارك رسمي، وفدوا من مختلف القارات، بغرض مناقشة ما يلزم من تدابير، والوصول إلى اتفاق على ما يلزم من إجراءات للحد من التلوث الذي يهدد العالم بيئياً. واستناداً لتقارير إعلامية، فإن قدرة مدينة غلاسكو الفندقية على الاستيعاب لا تتجاوز 15 ألف سرير. الأمر الذي اضطر المنظمين إلى الاستنجاد بمدن مجاورة لتوفير مقرات إقامة لضيوف لم يعلنوا مشاركتهم رسمياً إلا في اللحظات الأخيرة، قبل انعقاد المؤتمر، بسبب عراقيل خلقتها الإجراءات الصحية المفروضة. وأغلبهم وصل إلى المدينة على متن رحلات جوية، ومعظمهم على طائرات نفاثة خاصة. الرئيس الأميركي جو بايدن، حضر مرفوقاً بوفد كبير يصل إلى الألف مرافق، وعدد 25 سيارة خاصة ضخمة وفاخرة للتنقل بها من مقرات إقاماتهم إلى قاعة المؤتمر. وتبارت وسائل الإعلام البريطانية في نشر التقارير المصورة، وتسجيل نسب التلوث التي أحدثها حضور الوفود وطائراتهم وسياراتهم إلى مدينة غلاسكو. اللافت للانتباه، أن الرئيس الأميركي حضر إلى المؤتمر محملاً بإخفاقه حتى الآن في تمرير مشروع قانون بالكونغرس يتعلق بالمناخ. وربما لذلك السبب فضل الاسترخاء والنوم في مقعده بقاعة المؤتمر بدلاً من متابعة الجلسات.
المفارقة الأخرى أن رئيسي دولتين - الصين وروسيا - تغيبا عن الحضور. الصين تحتل المرتبة الأولى في نسبة التلوث البيئي، وروسيا المرتبة الرابعة. الغياب أثار علامات استفهام عديدة حول الجدوى من انعقاد المؤتمر، وما أحدثه من ضجة إعلامية. هناك أيضاً الجدل المثار من الدول الفقيرة بفشل الدول الغنية في تنفيذ ما التزمت به من وعود سابقة تتعلق بإحداث تغيرات في سياساتها المناخية.
وحتى نكون منصفين، فإن التحذيرات من ارتفاع نسبة الانبعاث الكربوني وتأثيره على الاحتباس الحراري تستحق الانتباه لأهميتها في رفع شارات الخطر أمام دول العالم. وأن الأخطار التي تجابه بيئياً العالم والأجيال القادمة ليست مفبركة إعلامياً بقصد إثارة المخاوف والرعب. لكن التجارب السابقة - آخرها مؤتمر باريس 2015 - برهنت أن الدول الفقيرة لا تمتلك الإمكانات والموارد، وأن الدول الصناعية والمتقدمة لا تلتزم تنفيذ اتفاقات، أو تبدي اهتماماً بمتابعة توصيات، حين يتعلق الأمر برفع مستويات الإنتاج، وزيادة مداخيل الناخبين. حرصها على المحافظة على المستوى المعيشي المرتفع لأولئك الناخبين يزيد من حرصها على زيادة دوران عجلات الإنتاج في المصانع والمعامل. وليس من السهل على أهل السياسة في تلك البلدان المخاطرة بمصائرهم وخسارة مواقعهم وامتيازاتهم بتخفيض مستويات الإنتاج الاقتصادي، وخسارة دعم الناخبين لهم ولأحزابهم لقاء حماية بيئة ملوثة من زيادة درجة أو اثنتين في نسبة التلوث!