من المعروف أن صناديق التقاعد أو التأمين في جميع أنحاء العالم تقوم على ذراعين؛ الذراع الأولى القسط الشهري الذي يدفعه المشترك لشركة التأمين أو الصندوق التقاعدي، والذراع الثانية هي الاستثمار ولا بد أن تكون هذه الذراع محترفة في الاستثمار لتحقق توازناً للصندوق يفي بالتزامات الصندوق، لا سيما أن هناك سيولة شهرية تدخل للصندوق عبر جموع المشتركين تساعد في نجاح الاستثمار أياً كان، أو على الأقل تساعد في الخروج من الاستثمارات الخاسرة عند نقطة التعادل أو بأقل الخسائر الممكنة وإعادة توظيف الأموال بشكل صحيح.
ومن المعروف أن معظم الصناديق التقاعدية في جميع أنحاء العالم تحاول التغلب على هذا العجز عبر تحسين طرق الاستثمار وتحسين طرق الربحية عبر فريق من المحترفين في الاستثمار. ومن المعروف أن معظم صناديق الاستثمار تعاني عجزاً في الحساب الاكتواري للصندوق بسبب ضخامة التزامات هذه الصناديق تجاه مشتركيها، ويعني الحساب الاكتواري أن الموجودات لدى الصندوق تساوي المطلوبات المترتبة على الصندوق، وهذا لا يحدث إلا بوجود ذراع استثمارية قويه لدى الصندوق.
وفي السعودية كثر الحديث في الأسبوعين الماضيين عن عجز صناديق التقاعد عن الإيفاء بالتزاماتها على المدى الطويل، فما أسباب ذلك؟ أزعم أنني كنت متابعاً لأنشطة صندوقي التقاعد في السعودية؛ وهما صندوق المؤسسة العامة للتقاعد وصندوق التأمينات الاجتماعية، وصندوق التقاعد أسبق في الوجود من صندوق التأمينات، ولكن صندوق التقاعد لم يكن واعياً لأهمية الاستثمار في حينه، رغم وجود الفرص مثل نشأة البنوك والشركات وإمكانية التأسيس فيها، وما وجد له من استثمارات كان بسبب دفع الحكومة له لتغطية هذه الاكتتابات، أي أنها جاءت بالصدفة وليس بالتخطيط، في المقابل حينما وجد صندوق التأمينات الاجتماعية كان أفضل حظاً من صندوق التقاعد وكانت لديه ذراع استثمارية أفضل من سابقه واستثمر في العقار والأسهم وغيرها.
كل ذلك جعل قيادة البلد الحالية تصدر في وقت سابق قراراً يقضي بضم استثمارات صندوق التقاعد لاستثمارات صندوق التأمينات لتدار الاستثمارات بشكل يغطي بعض العجز، تلاه بعد ذلك قرار آخر يقضي بدمج المؤسستين في مؤسسة واحدة، وهذا في رأيي من أنجح القرارات ويسهل إمكانية تبادل المنافع ونقصد بها انتقال الموظف من القطاع الخاص للعام والعكس، بحيث تستمر خدمة المشترك متصلة دون انقطاع.
وللأسف كانت الصناديق معتمدة على تغطية الحكومة للعجز ما جعل بعضها يتراخى في الاستثمار.
لا بد أن نعترف أن هناك أخطاء في الماضي لا يتحمل المشترك تبعاتها، ونحن الآن في طور التصحيح، لذلك أتوقع أن تعطي الحكومة أولوية لهذه الصناديق في تأسيس الشركات التي يتوقع لها النجاح، وأن تسهل لها المشاركة في المشاريع العقارية الناجحة لتزيد مستوى ربحيتها من الاستثمار في محاولة لتغطية جزء من العجز، وأظن أن المؤسسة الوليدة بحاجة لدعم حكومي فإذا لم يتَح هذا فلا أقل من قرض حكومي طويل الأمد ومن دون فوائد لمكافحة هذا العجز، وهذا سيكون بمثابة التصحيح لأخطاء الحقبة الماضية. وذلك لأن أي تعثر في الصندوق سيضر بالاقتصاد أولاً، وستكون له أضرار اجتماعية، ثانياً: أي خلل في آلية الصندوق سيدخل بعض المتقاعدين تحت خط الفقر، ما يقلل من الإنفاق الاستهلاكي ويؤثر على السيولة في السوق وقد يجعل بعضهم أو من يعولون ينتظم في الجريمة، أقول هذا من باب تشخيص للواقع مع ثقتي أن الجهات التشريعية لن تلجأ للإخلال بآلية الصندوق، وذلك لأسباب عدة؛ أولها أن الخطأ لم يكن من المشترك، وثانياً لأن الأخطاء كانت عن الحقبة الماضية التي لا يتحمل خطأها المشترك. وثالثاً أن الجهات المعنية تدرك بما لا يدع مجال للشك الضرر الاقتصادي والاجتماعي الناتج عن الإخلال بآلية الصندوق... ودمتم.
8:22 دقيقه
TT
ذراعان
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
