تقف الولايات المتحدة على مفترق طرق عنصرية وسياسية. فالاحتجاجات التي اجتاحت البلاد جراء تفاقم عدد من القضايا والأحداث أهمها مقتل جورج فلويد، ووحشية الشرطة، وتفشي وباء كورونا، وحالة الإغلاق الوطني، والبطالة، والاقتصاد المدمر والانتخابات الرئاسية، جميعها كانت سبباً لأن يثار السؤال التالي: هل ستكون كل هذه الأحداث سبباً لتمكين وبروز التحالف الديمقراطي للأقليات والبيض الليبراليين؟
يكشف الاستطلاع الحالي عن تحول تجاه اليسار في الموقف الشعبي من القضايا الرئيسية المتعلقة بالعرق، لكن هناك أيضاً بعض العلامات التحذيرية المحتملة للديمقراطيين. فردود الفعل المنقسمة تجاه الاحتجاجات تتمثل في التعليقات المتناقضة لأوبال تومتي، مؤسس حركة «حياة السود تهمنا»، وتيد كروز، السيناتور الجمهوري عن ولاية تكساس.
ففي مقابلة مع صحيفة «نيويوركر» مؤخراً، قال تومتي: «وجهة نظري بشأن هذه الاحتجاجات هي أنها مختلفة نظراً لتميزها بفترة شخصية للغاية لملايين الأميركيين والمقيمين في الولايات المتحدة، التي تجعلهم أكثر صلابة أو حساسية لما يجري. فالناس الذين كانوا يتوجهون إلى العمل بات لديهم الآن الوقت للذهاب إلى احتجاجات ومسيرات، ولديهم مزيد من الوقت للتفكير في سبب معاناتهم. فهم باتوا يقولون لأنفسهم ما يجري ليس صحيحاً. الآن لدي مزيد من الوقت لجعل مخاوفي مسموعة». لذلك أعتقد أن الأمر بات الآن مختلفاً بشكل ملحوظ من حيث حجم المطالبات التي تثار كل يوم.
في 3 يونيو (حزيران)، تحدث كروز في مجلس الشيوخ، وكان حريصاً على الإشارة إلى أنه «لا توجد مبررات مشروعة تسمح بما حدث لجورج فلويد».
هناك متطرفون استغلوا هذه الاحتجاجات لزرع الانقسام والخوف والتحريض على القتل والعنف، والسرقة والنهب والتخويف. فلا يحق لأي منا حرق سيارات الشرطة وتحطيم نوافذ المتاجر، والانخراط في أعمال إرهابية وتهديد حياة الأميركيين.
دعونا نلقِ نظرة على بعض الروايات المتناقضة في العلاقات العرقية الأميركية، بدءاً من ليليانا ماسون، أستاذة العلوم السياسية بجامعة ماريلاند. فقد نشرت ماسون موضوعاً من سبعة أجزاء على موقع التواصل «تويتر»، حيث عرضت قضية قوية مفادها أن الولايات المتحدة مقبلة على تحول كبير، إذ ذكرت التالي: «لعقود من الزمن، كنا قلقين بشأن القوة الرهيبة لحزب سياسي كرس نفسه بالكامل للإبقاء على التسلسل التاريخي للتمييز العرقي والجندري الذي طالما كان سبباً لقمع كثير من الأميركيين وحرمانهم من العدالة». وأضافت: «فيما كان التركيز منصباً على ترمب والحزب الجمهوري، فإن ما لم نركز عليه كثيراً هو القوة المحتملة للحزب السياسي الآخر الذي كان يشكل تحالفاً من الراغبين في قلب هذا التسلسل الهرمي الاجتماعي». الآن بدأ الحزب الآخر، الديمقراطي، استعراض عضلاته حيث قالت: «في الوقت الذي تتركز فيه هيمنة البيض في الحزب الجمهوري، فإن تلك الهيمنة تعزز تحالف معارضيها في الحزب الديمقراطي، وهو نوع من التحالفات لم تشهده الولايات المتحدة من قبل، لكن الحزب يستعرض قوته الآن. إن هذا ليبعث بالأمل في أن يكون ذلك بداية حساب وطني متأخر لتراث من تفوق العرق الأبيض. إذا كان لذلك أن يحدث، فربما شكل ذلك الخطوة الأولى».
ويُعدّ باتريك موراي، مدير معهد استطلاعات الرأي بجامعة مونماوث، من بين أولئك الذين يرون حقبة جديدة من المصالحة العرقية. ففي التعليقات التي صاحبت الإعلان عن استطلاع الرأي الذي جرى في 2 يونيو (حزيران)، قال موراي: «لقد وصلنا على ما يبدو إلى نقطة تحول في الرأي العام، حيث يدرك الأميركيون البيض، أن السود يواجهون مخاطر عندما يتعاملون مع الشرطة». فيما قالت جامعة «مونماوث» إنه «تغيير ملحوظ في الرأي العام مقارنة باستطلاعات الرأي السابقة»، فقد كشف استطلاع أجرته الجامعة خلال الفترة من 28 مايو (أيار) إلى 1 يونيو (حزيران) أنه للمرة الأولى، قال غالبية الأميركيين 57 في المائة إنه في المواقف الصعبة أو الخطرة، فإن ضباط الشرطة يصبحون أكثر عرضة لاستخدام القوة المفرطة، إذا كان الجاني أسود البشرة، وهو ما أوضحته أرقام حركة «حياة السود تهمنا» التي صدرت في الأسابيع الأخيرة.
في 17 أبريل (نيسان)، أيَّد 42 في المائة من الجمهور حركة «حياة السود تهمنا»، فيما عارضها 31 في المائة، بفارق 11 في المائة، وفق استطلاع رأي أجرته مؤسسة «سيفيكس بولينَغ». وبحلول 6 يونيو (حزيران)، بعد 12 يوماً من وفاة جورج فلويد، ارتفعت النسبة المئوية التي تدعم حركة «حياة السود تهمنا» إلى 52 في المائة، وانخفضت نسبة المعارضة إلى 24 في المائة، بفارق 28 نقطة.
في 15 مايو (أيار)، كان معدل رفض ترمب 51.5 في المائة، وكانت نسبة قبوله 46.4 في المائة، بفارق 5.1 نقطة، وفقاً لمتوسطات استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسة «ريال كلير بوليتيكس». وبحلول 8 يونيو (حزيران)، بعد أكثر من 3 أسابيع، ارتفع معدل رفضه إلى 54.4 في المائة، وانخفض معدل قبوله إلى 42.6 في المائة.
وقد أشارت حتى الآن الاتجاهات التي عرضتها مؤسسة «سلندا لايك» إلى النقاط التالية: 1- برز وعي قوي بالعنصرية والتمييز، خصوصاً فيما يخص الشرطة وفرص التقدم. 2- كان لنمط القتل ومقاطع الفيديو تأثير تراكمي في خلق نقطة تحول حقيقية. 3- كانت استجابة ترمب بعيدة كل البعد عما كان يشعر به الناس من ألم والتغيير الذي ينشدونه. 4- ظهرت أميركا مختلفة عما يراها ترمب، خصوصاً الناخبين الشباب المتنوعين والنساء البيض المتذمرين من طريقته في الحكم.
5- ظهور مصادقين مؤثرين غير متوقعين هم الجنرالات والشرطة.
بعض المحللين متفائلون بحذر أن البلاد أصبحت أخيراً أكثر ليبرالية في قضايا العرق. وكتبت جولي رونسكي، عالمة سياسية بجامعة ميسيسيبي، في رد عبر البريد الإلكتروني أن التحالف بين الديمقراطيين البيض والسود قد يتعزز أكثر من أي وقت مضى قائلة: يعيش الديمقراطيون البيض في المدن نفسها التي يعيش فيها السود، ويصوتون لصالح المرشحين أنفسهم الذين يصوت لهم السود، ويشعرون بالغضب نفسه الذي يشعر به السود من الرئيس ترمب.
علاوة على ذلك، «يشترك الديمقراطيون البيض والسود في آيديولوجيات المساواة، والجغرافيا، والمدن الحضرية».
وتعتقد رونسكي أنه يمكن تبرير وإيجاد قدر من الحكمة في بعض خطابات الاحتجاج، حيث قالت إن رسالة «أوقفوا دعم الشرطة» لهي رسالة سياسية مريعة - والانطباع الذي تعطيه للجمهور أن النشطاء يريدون القضاء على جميع أفراد الشرطة يُنظر إليه بكل تأكيد على أنه تجاوز للحد، وهي الرسالة التي تثير كثيراً من الغضب والتشويش.
وأشارت صحيفة «تايمز» في وقت سابق من الأسبوع الجاري إلى وجود «مؤيدين لنهج أكثر اعتدالاً يدعمون إجراءات جديدة لفرض الرقابة على أقسام الشرطة وتنظيم استخدام القوة، ولكن ليس تفكيك الإدارات».
وقد لوحظ أن خبراء السياسة الأميركيين من أصول أفريقية الذين تواصلت معهم بشكل عام، لسماع تقييمهم بشأن التطورات الإيجابية في الآراء العنصرية البيضاء، كانوا إيجابيين في نظرتهم لما يجري. وكانت فيزلا ويفر، الباحثة بمعهد «جون هوبكنز» من بين المتفائلين، حيث قالت: «بوصفي شخصاً درس القمع العرقي وممارسات الشرطة على وجه التحديد، فإنني في غاية الإعجاب من التحولات السريعة في الخطاب الذي ظهر مؤخراً».
- خدمة «نيويورك تايمز»
9:26 دقيقه
TT
إلى أي مدى تتغير أميركا؟
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
