الحروب الأهلية ظاهرة، ليست جديدة في التاريخ البشري، ولم يسلم من شرورها إلا قلة قليلة من الأمم والشعوب. الأسباب والظروف التي تقود إلى إضرام نيرانها عديدة، ومتفاوتة، لكن ما يجمعها في قالب واحد هو أن آثارها السلبية، على النسيج الاجتماعي للأمة، لا تتوقف بمجرد توقف المعارك الحربية، وعودة المقاتلين إلى ديارهم، واستئناف ممارسة حيواتهم.
ذلك أن وقف إطلاق النار لا يعني عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل نشوب الحرب. الحرب الأهلية الإسبانية انتهت عام 1939 لكن الآلام والأوجاع التي خلفتها ما زالت آثارها شديدة الوضوح على النسيج الاجتماعي الإسباني إلى يومنا هذا. وقس على ذلك.
الحرب الأهلية الليبية التي اندلعت إثر سقوط النظام العسكري في عام 2011. لا تختلف عن غيرها مما سبقها من حروب أهلية في بقاع أخرى من العالم، وهي حرب من أجل الاستحواذ على الغنيمة، بعد فشل كل الجهود الداعية إلى اقتسامها بسلام وتراضٍ، ولا علاقة لها بالديمقراطية، وبتأسيس نظام مؤسس على حكم القانون، لأن طرفيها الرئيسيين ينتميان، عقائدياً وتاريخياً، لمعسكرين يقفان على الضفة المقابلة للديمقراطية. وهذا يعني أن ليبيا، يوماً ما، لدى انتهاء هذه الحرب، وبعد كل ما شهدته من قتل ودمار ورعب وخسران ستعود من جديد إلى الوضع الاستبدادي ذاته، الذي ثارت ضده في فبراير (شباط) 2011، وربما في وضع أسوأ، لا سمح الله.
الحرب الأهلية الليبية، ليست حالة نادرة، بل مثل غيرها من الحروب الأهلية، فتحت الأبواب على سعتها أمام التدخلات الخارجية. فليبيا، هذه الأيام، أضحت ساحة لمعارك وتصفية لحسابات بين دول أجنبية تتنافس دفاعاً عن مصالحها، وما سيعود عليها من منافع. هذا التدافع والتنافس الخارجي أحال الأطراف الليبية المتنازعة إلى وكلاء يحاربون بالنيابة عن تلك الأطراف الخارجية.
ما حدث، في بداية النصف الثاني من شهر يناير (كانون الثاني) 2020. في مؤتمر برلين - بألمانيا، يوضح بما لا يدع مجالاً لشك أن الأطراف الليبية قد تم تهميشها إلى درجة الإهانة، بحيث يتم انعقاد أكبر مؤتمر دولي حول المسألة الليبية من دون حضور طرف ليبي واحد بين المشاركين. والطرفان المدعوان للمؤتمر مجاملة ظلا خارج قاعة الاجتماعات، من دون إبداء أي اعتراض، وكأن وجودهما على الهامش أمر طبيعي، لا يثير أسئلة، أو لا يستدعي غضباً.
مؤتمر برلين لم يكن حول ليبيا والليبيين والحرب الأهلية، بل، حول اقتسام ثروات ليبيا. وهو، في رأيي، مجرد محاولة بائسة، أخرى، لإقناع الأطراف الخارجية بالتفاوض حول اقتسام الغنيمة، ووضع نهاية لتنافس وتصارع تجاوز حدوده. فشل المؤتمر في الاتفاق على إلزام الأطراف المتحاربة بوقف إطلاق النار، وفرض هدنة، تحت مراقبة دولية، وقبول الأطراف الحاضرة بوقف تصدير السلاح والذخائر إلى ليبيا يوضح ذلك، ويوضح أيضاً، حجم هوة الخلاف واتساعها بين تلك الدول المتورطة، من دون إبداء أدنى اهتمام من جانبها بما يراق من دماء ليبية، وبما يقوّض من عمران، وبما يسود من مشاعر خوف على حاضر ومستقبل بلاد تعيش أوضاعاً صعبة منذ سنوات، وتتأرجح بين عدة خيارات ليس من ضمنها خيار الأمن والاستقرار.
البداية التي شهدتها قاعات وزارة الخارجية الروسية بموسكو يوم 13 يناير الماضي وصلت إلى طريق مسدود، لأن اللقاء اتخذ شكل مبادرة ثنائية روسية - تركية، وهي في الحقيقة أقرب ما تكون إلى مؤامرة ثنائية، سرعان ما تنبهت لها بقية الأطراف المتورطة في الصراع فتنادوا مسرعين لتفادي خسارة ممكنة، وأعادوا الإمساك بخيوط اللعبة من جديد، عبر الدعوة إلى مؤتمر برلين خلال أيام قليلة.
اختيار برلين، تحديداً، مكاناً لعقد اتفاق نهائي، يبدو للمطلعين على دهاليز السياسة الدولية، ليس بالمكان المناسب إطلاقاً، لانعدام الخبرة الألمانية في التعامل مع الإشكالات الدولية المعقدة. ولذلك، جاءت التوصيات النهائية على شكل كومة كبيرة العدد بهدف إرضاء جميع الحاضرين، ولم تلزم أي طرف بأي شيء.
تبع ذلك الدعوة لعقد لقاء في العاصمة الجزائرية جمع وزراء خارجية الدول التي حضرت مؤتمر برلين، وخرج اللقاء، كالعادة، بتوصيات لا تختلف عما سبقها، وها نحن الآن نشاهد الاستعدادات تجري على قدم وساق لعقد مؤتمر آخر في جنيف بسويسرا.
السؤال حول جدوى هذه المؤتمرات يحظى بمشروعية، خاصة أن الأطراف التي تحضر إلى تلك المؤتمرات، وتصدر توصيات منددة ومطالبة بوقف التدخل الخارجي في ليبيا، وبوقف تصدير السلاح والمرتزقة إليها، هي نفس الأطراف المتورطة في النزاع الليبي، ومن يجب أن توجه إليه تلك التنديدات وتحرر له تلك المطالب. وخير مثال على ذلك أن الخلاف الفرنسي - التركي مؤخراً، ظهر إلى العلن، وتبادل وزيرا خارجية البلدين، عبر وسائل الإعلام، الاتهامات بخرق ما تم التوصل إليه، والتوقيع عليه من اتفاقات، بمنع تصدير السلاح والمقاتلين إلى ليبيا.
الحسم العسكري في الحرب الدائرة مشكوك فيه، ولا يبدو أنه ممكن التحقق. والسلام المنشود يبدو بعيد المنال، حالياً، لأن مفاتيحه موزعة في عدة جهات، كلها موجودة خارج حدود ليبيا.
11:53 دقيقه
TT
ليبيا: سلام بمفاتيح خارج الحدود
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
