عندما أتذكر الهبوط على القمر، يسرح فكري وأتذكر والدي. منذ خمسين عاماً، مساء الأحد الموافق 20 يوليو (تموز) 1969، جلسنا معاً داخل غرفة المكتب الخاصة بوالدي في منزلنا في نيويورك، وحبسنا أنفاسنا أثناء مشاهدتنا المركبة «إيغل» تلمس سطح القمر.
اتسم والدي الذي نشأ في باربادوس بشخصية متحفظة، وكان من النادر أن يبدي انبهاره بشيء، وربما لم يبتسم في حياته قط. ومع هذا، عندما خرج نيل آرمسترونغ، قائد المركبة «أبوللو 11» إلى سطح القمر، ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه. ومن خلفنا، كانت أمة كاملة تبتسم فرحاً، بل عالم بأكمله. الحقيقة أنه من المتعذر وصف هذه اللحظة، فمعين اللغة لا يكفيها.
وقبل إطلاق المركبة بأيام قلائل، أصر كثير من الكتابات على أن الاحتمال الأكبر أن ما سيفعله آرمسترونغ «سيبقى طالما بقيت البشرية». وكان هذا تحديداً ما شعره الناس في تلك اللحظة، كأن التاريخ اتخذ منعطفاً حاداً فجأة. إلا أن هذا لم يحدث فعلاً - ومع ذلك سيطرت علينا جميعاً حالة من التفاؤل الشديد.
وإذا لم تكن كبيراً بما يكفي، فإنك ربما لن تدرك إلى أي مدى كانت الأمة والعالم بأسره بحاجة إلى «أبوللو 11». في ذلك الوقت، بدت حرب فيتنام بلا نهاية، بينما كان ريتشارد نيكسون المخادع قابعاً في البيت الأبيض. وقبل ذلك بـ13 شهراً فقط، تعرض روبرت كيندي للاغتيال في لوس أنجليس. وقبله بشهرين، تعرض مارتن لوث كينغ للقتل. وخلال ربيع وصيف 1968، احترقت مدن البلاد.
وخلال عطلة نهاية ذلك الأسبوع على وجه التحديد، ساد البلاد شعور سيئ، ففي صباح السبت السابق مباشرة لهبوط «إيغل» على سطح القمر، شاهدت الغضب الشديد الذي اجتاح أبي لدى علمه أنه في الليلة السابقة قاد السيناتور إدوارد كيندي سيارته وهوى بها من فوق جسر في جزيرة تشاباكويديك، ما أسفر عن مقتل ماري جو كابني. وستظل التساؤلات حول هذا الحادث تحاصر السيناتور باقي حياته السياسية.
شعر والدي بأسى بالغ، خصوصاً أنه سبق له العمل مع إدارة جون كيندي وكان جزءاً من حملة روبرت كيندي الرئاسية. وكان من بين من رأوا تيدي بمثابة أفضل أمل لهزيمة الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1972. والآن، تلاشى هذا الأمل.
أما في لحظة متابعتنا الهبوط على سطح القمر، رأى والدي واحداً من أعظم أحلام جون كيندي تتحقق، ولذلك ملأت الابتسامة وجهه. واليوم، عادة ما يجري استخدام وعد جون كيندي بإنزال إنسان على سطح القمر في غضون عقد، في وصف تخصيص موارد ضخمة لحل مشكلة محددة.
اليوم، يبدو من السهل نسيان كيف كانت الولايات المتحدة في مكانة متأخرة عن الاتحاد السوفياتي في سباق الفضاء خلال خمسينات وستينات القرن الماضي. كان السوفيات أول من أطلقوا قمراً صناعياً حقيقياً ودفعوا بأول إنسان إلى الفضاء وأول سيدة في الفضاء، وأنجزوا أول مهمة سير في الفضاء. وتملك الفزع الولايات المتحدة من التقهقر نحو الخلف. وعليه، تحول السباق نحو الوصول إلى القمر إلى واحد من أبرز الأولويات الوطنية.
ومع ذلك، كان هناك من تملّكتهم الشكوك. من جانبها، اعترضت منظمات معنية بالحقوق المدنية على التكلفة، متسائلين: لماذا لا توجه هذه الأموال لبناء مساكن بأسعار معقولة وحل مشكلات حضرية أخرى؟ وفي ربيع 1969، قبل أشهر من انطلاق «أبوللو 11» إلى القمر، نظمت منظمة حقوق الرفاه الوطنية اعتصاماً خارج محطة السيطرة في هوستون.
وبينما كنت أتابع بحماس آرمسترونغ يهبط من المركبة ويسير على سطح القمر، لم أكن مدركاً أياً من تلك التوترات. أما والدي، فكان مشاركاً بقوة فيها، لكنه اختار عدم التشارك فيها مع أبنائه، فقد حرص والدي ووالدتي على تنشئتنا بعيداً بأقصى درجة ممكنة عن أوحال هذا العالم ومشكلاته.
مع دخولي مرحلة المراهقة، بدأت أقرأ كتب الخيال العلمي وحلمت بالفضاء الخارجي. وانغمست في بهجة التفكير في سبل شتى لإنفاق مالي الخاص على مثل هذه الهوايات. في العام السابق، أطلق ستانلي كوبريك فيلمه الشهير «2001: ملحمة الفضاء»، وقد شاهدته مرات كثيرة لدرجة أني نسيت عددها. وخلال فترة المراهقة، راودتني أحلام التفكير في المستقبل القريب، حيث القفز داخل مركبة فضائية لا يبدو مختلفاً كثيراً عن القفز داخل طائرة. ورغبت في أن نبني مستعمرات على القمر ومحطات فضائية وإرسال مهام إلى كواكب أخرى بالمجرة وما وراءها.
وأخيراً، جاءت اللحظة الموعودة وهبط آرمسترونغ على سطح القمر، وأضاءت هذه العبارة شاشات التلفزيون. ونتذكر جميعنا أولى الكلمات التي نطق بها آرمسترونغ: «هذه خطوة صغيرة لإنسان، لكنها قفزة هائلة للإنسانية». وقد سقط في خطأ لغوي بسيط بإغفاله ذكر أداة تنكير قبل «إنسان»، ومع هذا لطالما عشقت كلماته التالية لأنها جاءت عفوية، فقد قال: «السطح ناعم ويبدو كأنه مغطى بمسحوق. يمكنني التقاطه بسهولة بإصبع قدمي».
ومع هذا، فإنه على امتداد نصف القرن التالي، أصبح من الشائع وصف الرحلة بأنها مضيعة للجهد والمال، لأننا لم نخرج منها بالكثير.
ومع هذا، فإن هذه الانتقادات تغفل أمراً مهماً؛ أن الهبوط على القمر، مثل برنامج الفضاء ذاته، خدم احتياجات مختلفة. وعلى امتداد تاريخنا البشري كنا نتطلع نحو هذه النجوم ونحلم بالوصول إليها. وظل حلم الوصول إلى هذه النجوم قائماً منذ اللحظة الأولى التي تمكن البشر خلالها من رفع أعينهم نحو الأعلى والوقوع في أسر النجوم. لذا فإن ما شهدناه مساء 20 يوليو 1969 كان قفزة هائلة بالمعنى الحقيقي في تاريخ البشرية.
*بالاتفاق مع «بلومبرغ»
