حرية التعبير عن الكراهية

حرية التعبير عن الكراهية

الاثنين - 21 ذو القعدة 1438 هـ - 14 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14139]
عبد الرحمن الراشد
اعلاميّ ومثقّف سعوديّ، رئيس التحرير السابق لصحيفة "الشّرق الأوسط" والمدير العام السابق لقناة العربيّة
كان المرحوم الأديب غازي القصيبي أبرز من تصدى لتيار الكراهية في مطلع التسعينات، وكتابه «حتى لا تكون فتنة» مرجع تاريخي وفكري مهم في تلك الحقبة السعودية التي ابتليت بتيار «الصحوة» المتطرف.
ولا يزال التعبير علانية عن البغض والكراهية والتحريض المجتمعي من على المنابر وفي الإعلام المفتوح ثقافته متداولة، إنما تحت ذريعة مختلفة. ففي السابق، كان خطاب الكراهية والاستعداء ضد الآخر يقال عن مبادئ دينية تم اختزالها، كعادة الحركيين، ضد خصومهم. أما اليوم، فالبعض يبررها باسم حرية التعبير، لكن حرية التعبير مقيدة بالمكان والزمان، وضد التحريض الجمعي الذي يصبح جريمة، ويختلف التعبير بالتصريح والتحريض عن حرية النقاش الذي يمكن التسامح معه، حتى وإن تضمن طروحات عنصرية.
ظهر خطاب الكراهية في المملكة والخليج في التسعينات، مترافقاً مع الاضطراب السياسي الإقليمي، وتطور التقنية، واستيراد أفكار الصحوة، وتزامن مع الحراك الذي استخدم الدين، وسُمي بـ«الصحوة» في السعودية، منقولاً عن ثقافة جماعة الإخوان المسلمين التي جلبت معها من خارج الحدود أجندات سياسية.
للحرية مقاييس تختلف بحسب كل بلد؛ ثقافته وتجربته الحضارية. ومفهوم الدولة العربية الوطنية نفسه حديث الولادة، ويتطلب وقتاً حتى تظهر عليه علامات النضج، من خلال انصهار المجتمع في منظومة مدنية تنسجم مع بعضها؛ مهمة ليست بالسهلة. والمفارقة أن الحروب في دول العالم الثالث عندما تنشب باسم «الوطنية» و«الإصلاح»، غالباً تنتهي إلى الاحتراب على قيم مناقضة؛ تلجأ للدفاع عن الطائفية والقبلية والمناطقية، وغيرها من الانتماءات اللاوطنية. هذا ما يحدث اليوم في سوريا وليبيا واليمن؛ كلها حروب قامت على الدعوة إلى إعلاء المفاهيم الوطنية، من رفض الديكتاتورية، الأسد والقذافي وصالح، طلباً للعدالة في الحقوق، ثم تحولت إلى مشاريع تحزبية ضيقة جداً.
وخطاب الكراهية يبدو للبعض تعبيراً بسيطاً وتلقائياً، ويتناغم مع الشائع في المجتمع من عنصرية موروثة، لكنه في الحقيقة هو أخطر ما يهدد كيان الدول. فالسماح بالتعبير والدعوة إلى معاداة جماعات داخل المجتمع الواحد يهدد بتقويض الدولة، والسماح للطائفي يعني السماح للتمييز القبلي والمناطقي وغيره.
وقد تصادفت مناسبة الكراهية في مكانين بعيدين في وقت واحد؛ تدلل على أن المرض موجود رغماً عن التحضر: عنصريون طائفيون يستفزّون ويستعدون المجتمع ضد المعزين في وفاة الفنان الكويتي الكبير عبد الحسين عبد الرضا في منطقتنا، ومناسبة مظاهرة عنصريين بيض في جامعة فيرجينيا في شارلوتسفيل ضد الأعراق الأخرى. ولمن يحتج باسم حرية التعبير، يمكنهم أن يلحظوا أن شاشات التلفزيون الأميركية، تقريباً كلها، لا يظهر عليها أحد يمثل أو يدافع عن المتظاهرين العنصريين. السبب أن خطاب الكراهية مرفوض، رغم أن حرية التعبير للجميع يكفلها الدستور. وفي الولايات المتحدة، كما هو عندنا، إعلام التواصل الاجتماعي، أيضاً، يمثل تحديات للدولة، لأنه خارج السيطرة، ويستخدمه العنصريون لتسويق أفكارهم، وحشد الرأي العام لصالحهم. ومن المؤكد لو أن الخطاب العنصري تفشى، وصار ظاهرة خطرة على استقرار المجتمع، فإن المشرعين الأميركيين غالباً سيتدخلون لوضع ضوابط وعقوبات على استخدام وسائل مثل «تويتر» و«فيسبوك»، لكنها لم تصل بعد إلى هذه المرحلة. وقد تبدو العنصرية في الولايات المتحدة سائبة، بالفعل مسموح التعبير عنها، لكن في الحقيقة محرمة ممارستها، ويجرّم القانون من يمنع التوظيف لسبب عنصري، أو التدريس، أو التمييز في تقديم أي خدمات.
نحن نعرف أن الأصوات الطائفية التي ارتفعت في وقت وداع عبد الحسين عبد الرضا، في الحقيقة، لم تكن تستهدفه شخصياً، سواء بالرفض أو الإساءة، بل كانت تستغل المناسبة لفرض رأيها، بهدف تنشيط الصدام.
العنصرية مرض موجود في كل مجتمعات العالم، ومثل الحروب لن تموت. دول العالم المتحضر تسعى لمحاربتها بالقوانين والهراوات، وكذلك بالتثقيف.
فالتعبير عن البغض من المواطن الآخر قادر على تقويض كيان أي بلد. ولهذا عندما نرفض ونواجه دعاة الكراهية، ليس فقط احتراماً لشخص الراحل عبد الحسين، ودفاعاً عنه، بل أيضاً حماية لكيان أمة. فالعنصرية سلسلة ممارسات لا تنتهي، ضد من ليس من منطقته، أو بلدته، أو طائفته، أو دينه، أو عرقه، أو لونه، أو من لا يتفق معه، هكذا يتشرذم المجتمع ويتصادم.
[email protected]

التعليقات

حسان الشامي
البلد: 
بيروت
13/08/2017 - 23:28

الخطير عندنا بالشارع الاسلامي استاذ عبد الرحمن المحترم . تفشى البغض والكراهية والمذهبية والتطرف بشكل هستيري . شخص او جماعة او تيار او حزب يريد ان يفرض فرضاً وبقوة السلاح احيانا والاغتيال والتهديد والوعيد على عائلته واهله وشعبه وحتى على دولته . وهذا النمط من الكراهية والبغض والتطرف والتزمت موجود ايضاً عند اكثر الاطياف والاديان من غير المسلمين . مثال على ذلك فلاديمير بوتين دمر غروزني وقتل الاف الابرياء من الشيشانيين ليس لشئ لأن انكسار وانقراض الاتحاد السوفيتي جاء على ايدي المسلمين الافغان . وتدمير المدن السورية واحراقها وقتل اطفالها ونسائها وتدمير المساجد والمستشفايات هو من خلفية الحقد والبغض والكراهية لكل المسلمين بالعالم وهذا حقيقة وواقع . اميركا اجتحات العراق ودمرته وقتلت مئات الاف من شعبه وغيرت ديموغرافيته ليصبح الحكم للشيعة وفي سورياايضا

حسان الشامي
البلد: 
بيروت
13/08/2017 - 23:49

وكل ذلك انتقاما لتفجير ١١ ايلول والذي قام به مجموعات محسوبة على اهل السنة . مع انه كل العالم الاسلامي استنكر هذا العمل الارهابي الجبان التى قامت به مجموعة لاتعرف للدين الاسلامي معنى . تماما كما مجموعات صهيونية متذمتة حاقدة متطرفة تغلي الكراهية في شراينها كقتل المصلين بالحرم الابراهيمي والاف المجازر التى ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية . الخطير ان المتطرفين عندنا لا يحاربون ولا يقتلون ولا يفجرون الا شعوبنا ويدمرون اقتصادنا . ان ايران اجتاحت واحتلت ربع المنطقة العربية والاسلامية فماذا فعلوا هولاء الجهابذة وحماة الاسلام والمسلمين سوى تفجيرات بشوارع المملكة العربية السعودية وسيارات مفخخة اكلت لحوم اطفال ونساء من الشعب السعودي الابرياء . الجيش المصري والشعب المصري والذي قدم ملايين الشهداء كل يوم عمليات قتل وتفجير واغتيال ضده واسرائيل

حسان الشامي
البلد: 
بيروت
14/08/2017 - 00:01

على بعد امتار ! العقلاء والمتحضرين والمنفتحين والمسالمين موجودن في كل الاديان والطوائف والمذاهب . والمتطرفون والارهابيون والمتذمتون واصحاب العقول والافكار العفنة البغيضة ايضاً موجودون فى كل الاديان والطوائف والمذاهب .

ســــــــــــــــــــامي بن محمـــــــد
البلد: 
باريس
14/08/2017 - 00:33

المشكلة أيها الأستاذ الكريم أكبر من التحديات المتراكمة والتي أسلفت بها، فهي من باب في المفهوم بحد ذاته وهي كذلك إرث تكدس تاريخيا وبات اليوم أقرب منه الى وباء التعبير من حرية التعبير، فما الحرية التي تنتهي عندما تلم بإزعاج الآخر. إذاً لا أعتقد بحلول الازمة الحالية الخانقة أن الكراهية ستذلل وبالعكس فلقد طفح بها الكيل بدءاً من الخطاب الأيدولوجي الى الديانتولوجي ويمر بالانتربولوجي وصولا الى السياسي وخادمه الإعلامي والعذر في القول أننا في مجتمع مترهل عقيم الابداع، يستورد ويقلد ولذا انصب شبابه نحو الغرب ولايحتاج العاقل سوى الجلوس امام هذا الجنون الذي بات فنونا إعلامية فيها كل شيء إلا "الإعلامي المهني"بل وكل من ينصب علينا يعرف عن ظهر قلب كل أوجاعنا وآفاتنا وعللنا وأمراضنا وعقدنا وهوسنا وخداعنا ونرجسيتنا وكذبنا" ولازلنا بعد كل هذا نصرخ من المؤامرة

أبو هشام اليحيى
البلد: 
بريدة . السعودية
14/08/2017 - 05:24

صباح الخير أستاذي عبدالرحمن . التكييف الشرعي لمثل هذه المسائل يحتاج لعلامة يؤصل للموضوع . ولا يكون متاحاً لكل متعالم له بعض بضاعة من علم شرعي . وبالتالي الأحكام التي تتعلق بالدين ( إذا ) ثبتت فليس هناك مكان لمايسمى بخطاب الكراهية أو الحب . ما أود قوله أن بعض هواة العلم الشرعي قطعوا في مسألة عدم الترحم على فلان أو فلان وأجزم بخطأ قولهم . قضيتي هنا ليس خطؤهم الكارثي بل الخلط بين حكم قطعي ( إذا ) وقع وبين شعارات الحقوق والعدالة والمساواة التي يرفعها بعض الساسة وقت الحاجة والغرب مليء بهذه النماذج . لايوجد من له ذرة عقل أن ينشر الكراهية بين الناس . لكن هذا العنوان لايعني تعطيل أحكام شرعية شرط أن تأتي من مراجع معتبرة وليس من مخربشي التغريدات التي يمتليء بها النت .

أمين ظافر آل غريب
14/08/2017 - 05:29

الأمثِلَة شَتى وتراهُمُ جَمع وقلوبهم شتى، كما تفضَّلت في التفاتتكَ الواعية الكريمة، حتى في السوسيالميديا باسم (الحِوار المُتمَدِّن الزُّور) المُجافي للمروءة والإنسانيَّة نشر جُنحَة الكراهية وفرض رأي ذوي العاهات باجتراح جرائِم حَجب حَقّ الرَّد الحَضاريّ المسؤول الذي كفلَته القوانين والمواثيق الدُّوَليَّة، وجُرم ازدراء الوجدان العام والأديان والتعَصُّب لِقومٍ بعُنصريَّة ضدَّ أقوامٍ وللانحلال والإلحاد وترجيح المرأة على الإنسان وحَقّ تعبير المِثلييّن عن أنفسِهم وحَجب نفس الحَقّ عن سائِر الخلق المُجمِعينَ على الحَقّ!..

خزرجى برعى ابشر
البلد: 
المملكة العربية السعودية
14/08/2017 - 05:42

رسولنا العظيم نهى عن العصبية وقال (اتها نتنة فاتركوها ) نحن فى النهاية خقلنا من نفس واحدة وعظمنا الله سبحانه حينما امر الملائكة ليسجدوا لادم فسجدوا الى ابليس ابى واستكبر فالتعصب والتكبر والتعالى على الاخرين هى من فعل الشيطان القاسم المشترك للانسان فهذ الدنيا الاحترام المتبادل الزوج والزوجة اذا لم يسود بينهم الاحترام ينهد عش الزوجية مهما كان الحب الذى بينهم والذين يعبدون الاوهام سيدنا ابراهيم قال لقومه كيف تعبدون اصاناما لاتنفع ولاتضر فكان ردههم هذا مالفينا عليه اباءنا الى هذا يؤدى عبادة ما يسمى عاداتنا الى حد الشرك نحن كمسليمن نمتثل الى قراءننا الذى قال (جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا اكرمكم عند الله اتقاكم )

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
14/08/2017 - 07:03

مقال رائع . نعم لا يزال خطاب الكراهية الدينية والعنصرية والطائفية والعرقية وموجود وعلينا التصدي له وأن هذا الخطاب هو القنابل الموقوتة والمؤجلة والتي تفتك بالمجتمع والدولة متى ما استغلت من جهات تخريبية خارجية او داخلية. شكرا للأستاذ عبد الرحمن الراشد

اسعد قاسم
البلد: 
المملكة المتحدة
14/08/2017 - 07:34

اتفق معكم في ان العنصرية والطائفية أمراض مدمرة لأي مجتمع . التعامل مع اي ظاهرة ومعالجتها قانونيا فقط تكون قاصرة ولايكتب لها النجاح ، مالم يتم التعامل مع مسبباتها وبواعثها. المشكلة هي افة المنطقة الان وأصوات العقلاء للأسف مغيبة فيها .
.

سعد
البلد: 
العراق
14/08/2017 - 07:48

احترام كبير للرائع الراشد حينما يكتب بعيدا عن التحزب اكثر من مقال اختزل فيه كيف نحارب هولاء الطائفيون لا من اجلهم بل من اجل بلداننا تحية محبة لك ايها العزيز.

عبد الجبار الغراز
البلد: 
المملكة المغربية
14/08/2017 - 11:49

اتفق مع صاحب المقال ، الأستاذ عبد الرحمان الراشد ، في قوله انه ينبغي محاربة كل هذه الامراض النفسية المتفشية في الجسم العربي ، كالتعصب المولد للكراهية و التحريض ، بسن قوانين زاجرة و معاقبة ، و أيضا ، و هذا هو الأساسي ، محاربتها بالتثقيف . هذا الأخير يشكل حصانة ضدها. لقد شب الإنسان العربي المعاصر ، بفضل سرعة انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ، على قيم الحداثة ، كالحرية و الديمقراطية ، بنفس القدر الذي شب عليه في ارتباطه بقيمه الموروثة المتأصلة فيه ، دون تمحيص في هذه و تلك ؛ فتمت عملية التشويه لتلك القيم . و صارت الأفكار لا تجاري الواقع و لا تناسبه . فهيمنت المعارف الدفاعية التي انتجت خطاب الكراهية و العنصرية ، علما أن ديننا الحنيف قد نسف قواعد هذا الخطاب من أساسه . نتمنى أن يرد الله بشباب هذه الأمة لتعود إلى رشدها . شكرا على هذا المقال الرائع

حسان التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
14/08/2017 - 12:12

إذا كان أبناء الحي الفلاني لا يحبون ابناء الحي الآخر ، فالاول يعتبر نفسه اكثر لياقة وأكثر ثراء ، والآخر هو المحافظ على التراث الحميد من كرم ونخوة ونصرة للملهوف والعلاقات البسيطة الدافئه مع الاهل والقريب والجار ، وما إلى ذلك من أشياء غير موجودة هنا ، ولكنها موجودة هنالك ، وكأنّ الإنسان يبحث دائما عن نواقصه ، فيقوم بعملية إسقاط أو تعالٍ أو ازدراء ، وهلم جرا ، فما بالنا بين مدينة ومدينة وبين بلد وآخر ، وأذكر انني كنت أصلي العشاء وتأخرت قليلا بعد الصلاة ، فسمعت رجلين بجانبي يحدثان بعضهما البعض عن عيوب فلان وفلان ، ثمّ أن هنالك رجلا متسولا كاذبا يستغل المسجد لمسألة الناس ، فتذكرت قول الله تعالى ،، أيحب أحدكم ان يأكل لحم أخيه ميتا، ، وهو ما عبر عنه أحد المفكرين بطريقة أخرى بمقولته ، من قال لك قال عليك ، فأنّى لنا ان نحب بعضنا البعض؟!

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة