دواء أوروبي للمريض العربي

دواء أوروبي للمريض العربي

الاثنين - 22 ذو القعدة 1438 هـ - 14 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14139]
غسان شربل
رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
منذ سنوات يأتي إلى المقهى القريب من منزله. يجلس مع كتابه وصحيفته وفنجان القهوة ثم يغادر. في بدايات الثمانينات لا يبقى غير التحايل على الوقت. والتنبه لتقلبات الطقس. وتوزيع الراتب التقاعدي بحكمة على الأيام. ومحاولة الانصياع لأوامر الأطباء. وإحصاء من بقي من الأصدقاء.
لا يحب الغوص في السياسة. يعتبر أن الخوض فيها يستلزم إلماماً دقيقاً بالتفاصيل. هذا لا يلغي أنه ناقم بشدة على رئيس الوزراء البريطاني الأسبق طوني بلير. قال إن بريطانيا ارتكبت في التاريخ ما يكفي من الأخطاء، ولم تكن تحتاج إلى خطأ جديد من قماشة ما فعلت في غزو العراق. شدد على أن ليس من حق بلاده إطاحة حاكم وتنصيب آخر. ربما يمكن للأمم المتحدة الاضطلاع بمثل هذا الدور عند الضرورة القصوى. وليس من حق بريطانيا أن تسقط نظاماً ثم تنسحب تاركة وراءها حرباً تأكل البشر والحجر.
في الآونة الأخيرة أضيفت إلى أحزان العمر أحزان أخرى. شارك الرجل في الاستفتاء حول الخروج من الاتحاد الأوروبي. ذهب وأدلى بصوته مؤيداً البقاء في البيت الأوروبي. لم يخطر بباله أبداً أن أكثرية البريطانيين ستختار الطلاق. فجعته النتائج.
قال إن البريطانيين ارتكبوا في الاستفتاء خيانة صارخة لحلم كبير اسمه البيت الأوروبي. ولفت إلى أن الحلم طُعن على أيدي أناس بلا ذاكرة تناسوا أن هذا الحلم قام بعد مأساة مروعة شهدتها القارة وأدمت العالم معها.
لفت إلى مسألة شديدة الخطورة. سأل: هل يمكن وضع إنجاز هائل بهذا الحجم في أيدي أجيال بات يمكن التلاعب بمشاعرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟ وحذر من أن عملية التلاعب هذه على أيدي شعبويين يوزعون الشعارات البراقة يمكن أن تأخذ العالم إلى مغامرات كان يعتقد أنها صارت من التاريخ.
أكد أنه بريطاني صادق. ويعتز بجذوره. لكن انتماءه هذا ليس موجهاً ضد الآخرين. وأنه أوروبي بمقدار ما هو بريطاني. وأنه سعيد لأن حفيداً له يعمل في إسبانيا وآخر في بلجيكا. وأنه يعتبر وجود الأوروبيين الآخرين في بريطانيا طبيعياً ومصدر ازدهار واستقرار. وكشف أن الحلم الأوروبي أشعره بالثراء والتنوع ولقاء التجارب وفرص التعاون لمعالجة المشكلات. وأن قرار الخروج أصابه بما يشبه تقليص الحلم ومساحة التحرك وخوف العودة إلى الأقفاص التي تنتعش فيها الوطنيات المتورمة والادعاءات الضارة والكراهيات القديمة.
روى لي أنه كان صغيراً يوم كانت الطائرات الألمانية تنقض على بريطانيا. وكيف بدت المدن في أعقاب الحرب أشبه بحقول من الأيتام والأرامل والركام والروايات الحزينة. قال إن وحوش التاريخ استيقظت في تلك الفترة فتمزقت الخرائط وتهشمت العواصم ولم يبق غير رائحة الخوف والموت والتحدي والعرق والدموع.
من تلك الأهوال وُلِد الحلم الأوروبي. قرر الأوروبيون أن الوقت حان لدفن كراهيات التاريخ وخناجره. اتخذوا قراراً كبيراً جوهره التفكير في مستقبل أحفادهم بدل الاستمرار في خوض حروب أجدادهم. صارت الحروب البريطانية - الفرنسية المديدة مجرد مادة متروكة في عهدة المؤرخين. ومثلها الحروب الألمانية - الفرنسية الطاحنة. قرر الأوروبيون إنقاذ أطفالهم وأحفادهم من هتلر وأشباهه.
سر البيت الأوروبي المؤسسات. المؤسسات التي تضمن وتحاسب وتخطط وتستبق. القضاء المستقل. الإدارة الحديثة المتطورة. حرية التعبير. هذه المؤسسات حالت دون وقوع أوروبا في حروب شبيهة بحروب الماضي. الانفجار اليوغوسلافي كان استثناء. المؤسسات الأوروبية هي التي سمحت للقارة باستيعاب حدث يعادل حرباً عالمية هو انهيار الإمبراطورية السوفياتية.
كنت أستمع إلى الصديق البريطاني وأفكر في الشرق الأوسط الرهيب، وتحديداً في موقع العرب فيه. ما تعرضت له بلدان عربية عدة من خسائر بشرية ومالية وتفككات واستباحات يعادل حرباً عالمية. فضحتنا العواصف. نملك دولاً مرشحة للتفكك. وشعوباً جاهزة للتهجير. وانتفاضات قابلة للإجهاض. وجيوشاً يقل ولاؤها عن الخريطة، وإن فاضت أحقادها عنها. نملك نساء جاهزات للترمل. وأطفالاً موعودين باليتم. وحدها المؤسسات يمكن أن تنقذنا من هذه الإقامة الطويلة في الجحيم.
متى تستيقظ شعوبنا؟ وأين جامعاتنا؟ وأين الكتّاب والرواد؟ نكاد نستعذب الإقامة في الظلام كالخفافيش. نريد التنمية والتقدم والكرامة. ونريد مدناً وجامعات وفرص عمل. ونريد مؤسسات تخطط وتحاسب. شبعنا من الإقامة على رصيف التاريخ. نريد الذهاب إلى المستقبل وإنقاذ أحفادنا من مصير أجدادنا.
لن نغادر الشرق الأوسط الرهيب إذا تمسكنا بخناجر أجدادنا وثاراتهم وعصبياتهم. نريد أفكاراً أخرى مفتوحة على العصر والغد. نريد أن نكون أمة طبيعية ومحترمة. لن نغادر عصر الخراب العربي إلا إذا تعلمنا من كارثتنا كما تعلمت أوروبا من كارثتها. لا يكفي أن تخلع ثياب جدك. يجب أن تخضع أفكارك الموروثة لامتحان العصر. لن تسافر إلى المستقبل إن لم تتخفف من أثقال العصبيات وشحنات الظلام.

التعليقات

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
14/08/2017 - 06:43

مقال رائع جداً، نعم نحتاج لنتعلم من أخطائنا ومن أخطاء الاخرين ، ونحتاج ان نتعلم من قدواتنا الحسنة ومن قدوات الآخرين، أوربا اليوم مثل حي أمامنا كيف استطاعت أن تتوحد رغم الحروب التاريخية فيما بينها لقد كان هناك رجال عظام أمثال هيلمود كول الذي عمل من أجل الوحدة الألمانية و الأوربية . وبالأمس كيف استطاعت أوربا أن تكون اليوم قوة بما تمتلك من مقومات التكامل. وفي تاريخنا القريب هناك الامارات العربية المتحدة مثل حي وكيف استطاعت ان تتوحد وتكون منارة عربية وكان هناك رجالها العظام أمثال الشيخ زايد أل نهيان والشيخ مكتوم بن راشد. فدعونا نتعلم من القدوات العظام الذين عملوا بإخلاص خدمة لبدانهم وشعوبهم وسيظل التاريخ يذكرهم وسيذكر كل المخلصين الذين يؤسسون دول تستمر بعدهم لا دولا تنهار بعدهم والسر كما اسلفتم المؤسسات . شكرا للأستاذ غسان شربل.

suliman aldrisy
البلد: 
libya
14/08/2017 - 08:03

نعم استاذ غسان اذا لم يتعلم العرب الدرس القاصي من الربيع العربي فأنهم سيتهيون في الهجرة وتتغتصب ارضيهم وثرواتهم ولن تكون لهم قائمة علي الارض

خزرجى برعى ابشر
البلد: 
المملكة العربية السعودية
14/08/2017 - 08:13

عظيم ياستاذ غسان كان الادب ان لااعلق او اعقب على مثل هذا المقال الرائع لكن بدون ما اشعر ابت نفسى الا ان اشارك لان امتنا تأخرت كثيرا وكلما نخطو خطوة الى الامام ترجع مائة خطوة الى الوراء كم من السنوات نحتاج الى اعمار العراق ؟وليس كم من المال المال يعوض لكن الوقت لايعوض كم من القرون نحتاج الى اعمار سوريا ؟ بل كم من مثلها نتاج الى اعمار اليمن ؟ وليبيا هى فى علم المجهول ما ان يلتتقى (حفتر والسراج ) الا وتزداد الشقة ولااحديفكر فى الشعب اليبى الذى انعم الله عليه بثروة هائلة يعتبر اغنى دولة افريقيا تبعثرت بين طاغوت القذافى واطماع المليشيات والقبلية الغيضة وانانية الحكام يا امة متى يستيقيظ ضميركم ؟ الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك

عبد الجبار الغراز
البلد: 
المملكة المغربية
14/08/2017 - 13:06

هل الغرب الذي تعرفنا على حداثته بشكل فج هو سر تعاستنا ؟ أم أن الأمر يتعلق بآدميتنا التي استفاقت من نومتها الطويلة على إيقاع هذه السمفونية الجنائزية الرهيبة ؟ ! . فصير سريانها العسير، في جسمنا الثقافي العليل ، أيامنا لحظات احتضار ثقيلة . ما عادت وضعية " البين البين " تناسب مقامنا ، و نحن اهل حضارة و علم و ثقافة . فلا استفاقتنا غدت يقظة حقيقية من سباتنا الأزلي ، تطبع شهادة ميلادنا بمداد العزة و المفخرة ، و لا أمست صحوة موت تعلن ، بإشفاق إنساني نبيل ، عن فناءنا الأبدي كبقية خلق الله ، الذي اندثر و تلاشى في هذا الوجود الفسيح ، بدل الإعلان عن هذا الموت في الحياة !!!
فمتى ننبعث كالعنقاء من رمادنا ؟؟؟

د.خلدون الوائل
البلد: 
سوريا
14/08/2017 - 13:16

متى تستيقظ شعوبنا ؟ هذا هو السؤال الذي لا إجابة له الآن ، ولكن نتمنى آلا تطيل هذه الفترة .

حسن الوصالي
البلد: 
السعوديه
14/08/2017 - 19:34

استاذ غسان المقال ينضح بدرر القول وصواب الحكمة ، غير أن المشكلة لم تكن يوماّ في الدواء إيًن كان مصدرة ، المشكلة كانت وستظل للأسف مالم ـ يأذن اللة ـ انعدام الرغبه لدى المريض ( عالمنا العربي ) في استخدام الدواء واصرارة على الانحدار او الانتحار الحضاري لافرق في الواقع فالعالم العربي يبدو أنة واقع تحت هواجس محاولة ارجاع الماضي التليد او المكابرة بأننا لا نخضع للمستعمر فيما يدل على اننا لازلنا نقبع في الماضي المجيد ، او حتى وهم قدرتنا على النهوض من وهد التخلف تحت مايمكن تسميتة وهم امتلاك القوة والقدرة على المنافسة ، لقد مرت بالامة العربية ما يكفي ويزيد من الكوارث وقد كان فيها ما يكفي ويزيد لمن القى السمع وهو شهيد كي يستفيد ويضع يدية غلى موضع الداء ويصف الدواء ، المعضلة في العقل العربي للأسف أنة لا يستفيد من تجارب التاريخ هذا الاستاذ

حسن الوصالي
البلد: 
السعودية
14/08/2017 - 19:34

العظيم ، العقل العربي يريد النهوض بتعليم متخلف عن الامم المتقدمة ،و يعيش الفرقة الموهنة للعزيمة بتصرفات البعض منة فيما مصلحتة الحقيقية والوحيدة في وحدتة وعمقة الاستراتيجي العربي ، حتى ان القران العظيم يقول ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم لكن يبدو لاحياة لمن تنادي ، لقد قال القدماء ان هناك ستة محتاجة الى ستة ومنها ان العقل محتاج للتجارب كي ينضج ويستفيد وقد جرب الانسان العربي الكثير في مسيرتة الانسانية والحضارية ولا داعي لذكرحتى بعضها كي لا نجدد الالم ، لكن للاسف كل هذة التجارب مرت دون ادنى استفادة ، وكأننا في عالمنا العربي نعيش خارج التاريخ لا داخلة فهل غياب الحكمة هو السبب ام ان انعدام الرغبة في الاستفادة من دروس التاريخ هو السبب ؟؟

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة