رب نظرة أورثت حزناً طال

رب نظرة أورثت حزناً طال

الجمعة - 18 ذو القعدة 1438 هـ - 11 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14136]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
كثيراً ما تنطلق التغييرات السياسية في دنيا الشرق الأوسط من انقلابات أو ثورات وأحياناً انتخابات. بيد أن التغييرات السياسية في الغرب كثيراً ما تحدث نتيجة فضيحة أخلاقية، مالية أو جنسية. قلما سمعنا عن تغيرات تجري في بلداننا بنتيجة ذلك. هذا لا يعني أن تلك البلدان بريئة من مثل هذه الفضائح ولكننا نتعامل معها كشيء طبيعي وأحياناً كنوع من «المرجلة» و«الجدعنة». نسمع عنها ونضحك.
بيد أن الكثير من الزعماء الغربيين سقطوا وانتهى دورهم بسبب فضيحة أو علاقة مشبوهة. أفل نجم الكثيرين من ساسة إنجلترا نتيجة انفضاح علاقة مع غانية. هكذا سقط بروفيومو، وزير الدفاع في حكومة ماكميلان. وكذا انتهى الحال مع جريمي ثورب وديفيد ميلر. التاريخ الإنجليزي يحفل بمثل هؤلاء الضحايا.
يشمئز الإنجليز بصورة خاصة من الإيقاع بامرأة متزوجة. كانت الخيانة الزوجية السبب الوحيد للطلاق تقريباً. وكان وما زال من حق الزوج أن يقاضي من يغرر بزوجته ويطالبه بتعويض كبير.
ممن تغلبت شهوتهم على واجباتهم كان السير تشارلز دايك، النائب البرلماني الذي تألق نجمه في حزب الأحرار في أواخر القرن التاسع عشر وأصبح اليد اليمنى لرئيس الوزراء غلادستون وزعيم الحزب. كان الجميع يتوقعون منه أن يخلف غلادستون العجوز في رئاسة الحزب، لولا أن الشيطان وسوس في ذهنه وأوقعه في حب امرأة متزوجة. سرعان ما ذاع أمر الفضيحة وانطلق زوجها السير كروفورد في مقاضاة تشارلز دايك بدعوى التغرير وانتهاك عرض امرأة متزوجة. جرى ذلك وأصبحت الدعوى من أشنع ما شهدته بريطانيا من فضائح.
أصبحت فضيحة السير تشارلز من أكبر الصدمات التي تلقاها غلادستون الورع في حياته السياسية. لم يعد أمامه غير أن يعيد تشكيل الوزارة بحيث يسقط منها تشارلز دايك. وكتب على الطريقة الإنجليزية في محضر تأليف الوزارة الجديدة: «دايك غير متوفر للمشاركة!» ثم بعث إليه برسالة تعتبر من قمم الأدب السياسي الفيكتوري، حيث قال:
«عزيز دايك،
أكتب إليك في اليوم الأول من ذهابي لأداء عملي المرهق لأعبر لك عن عميق أسفي في أن الظروف الراهنة ستحرمني بالنيابة عن حكومة جديدة من الاستفادة من القدرة العظيمة التي أثبتم في شتى الميادين حسن تقديمها كخدمة رائعة وزاهرة للتاج وللبلاد. لا بد أن تدرك جيداً أن شعوري المطلق من جانبي بالحاجز الخارجي في عزلة تامة عن أي نقص في ثقتي الذاتية. وهو آخر ما يخطر لي أن أرغب في الإشارة إليه. من أين لي أن أختم هذه الكلمات دون أن أعبر لك بحرارة عن رغبتي في أن أرى مهمة نبيلة وطويلة الأمد تحجز لك بامتياز عام».
وبهذه الرسالة أطفئت الأنوار على ذلك المستقبل المهيب الذي كان ينتظر تشارلز دايك. رب نظرة أورثت نزوة، ونزوة ساعة أورثت حزناً طويلاً.

التعليقات

Haya
البلد: 
france
11/08/2017 - 12:01

What an amazing article

احمد ماجد
البلد: 
اليمن
11/08/2017 - 14:16

بالطبع ليست السياسة مملة كما يرى البعض لأن القائمين عليها أصحاب نفوذ وقوة ومكر وهي صفات يستغلها السياسي الانتهازي وهم الاغلبية للوصول إلى مناصب عليا والحفاظ عليها كما يستخدمها في جمع ثروة كبيرة غير مشروعة عبر ادوات الفساد بجميع انواعة او إغراء ذوي النفوس الضعيفة التي تطمع بالوجاهه والمال ايضا واستدراجهم لنزواتة الغير سوية وتصبح مهمته أسهل كلما ارتقى في سلم السلطة وكما اشرت في موضوعك للاسف في المنطقة العربية يعج فيها الكثير من امثال هؤلا ويتم التعامل مع هكذا ظاهرة كشيء طبيعي وأحياناً كنوع من المرجلة والجدعنة نسمع عنها ونضحك.

حسان التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
11/08/2017 - 22:18

كنا نظن أن الحب الرومانسي مرتبط بدول الشرق ، الا أننا وجدنا حبا جنونيا في الغرب ، وهذا ما أخبرنا عنه الكاتب الكريم ، إذن فالحب بكل أنواعه وبكل ابتداعاته كامن بالغرب مثلما هو موجود بالشرق ، والشيء المختلف ان الحب في دول الغرب المتقدم قد يدمر حياة رجل شهير وكبير أما في الشرق فإنه يقتل بقايا إنسان صغير وفقير

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة