خبراء الاقتصاد يخونون مهنتهم

خبراء الاقتصاد يخونون مهنتهم

الخميس - 18 ذو القعدة 1438 هـ - 10 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14135]
يحاول كثير من خبراء الاقتصاد إضفاء الطابع العلمي على مجالات أعمالهم، من حيث الاستناد إلى الأدلة التجريبية بدلا من الطروحات والنظريات، أو الأسوأ من ذلك، الآيديولوجيات. ومع ذلك، وفي مقال نشره مؤخرا أربعة من أبرز الأكاديميين يدل على مدى ما تشكله الآيديولوجيا من مشكلات.
ولقد سلط زميلي في «بلومبيرغ» جاستين فوكس، الضوء على المنطق المؤسس للمقال المذكور، والذي صاغه فريق من خبراء الاقتصاد المحافظين من أمثال آر. هوبارد من كلية كولومبيا لإدارة الأعمال، وجون تايلور من معهد هوفر بجامعة ستانفورد. فإنهم يقولون إن الركود الاقتصادي الراهن لا علاقة له بتداعيات الأزمة المالية العالمية، وإن سياسات مثل انخفاض الضرائب، وتخفيض الإنفاق الاجتماعي، من شأنها أن تعزز النمو بشكل ملموس.
وكما أشار فوكس، فإن هذا التحليل يستند إلى الاختيار غير المنصف للبيانات. فهو يشمل، من بين الأزمات المالية الماضية، حالات الانكماش المعتدلة، التي لا يسحب معظم خبراء الاقتصاد عليها توصيف الأزمات، بل إنهم بالأحرى يعزون السنوات العشر الطاحنة التالية على الكساد الكبير باعتبارها «التعافي السريع» للركود الذي وقع في 1929.
والأسوأ من ذلك، فإن هذا المقال ينطوي على شعور باليقين غير مبرر بالمرة؛ إذ يؤكد بكل جرأة «أن النظرية الاقتصادية والتجربة التاريخية تشيران إلى أن السياسات الاقتصادية هي السبب الرئيسي في تباطؤ الإنتاجية وضعف الأداء العام في سوق العمل». وهذا من دواعي الإفساد المتعمد لطرق التفكير الراهنة.
يملك المؤلفون كل الحق في التعبير عن آرائهم ووجهات نظرهم بالعبارات الصريحة القوية، ولكن عندما يكتب الاقتصاديون المتخصصون كخبراء ويزعمون أن النظريات هي الأساس المطلق لآرائهم المطروحة، فعليهم كذلك واجب طرح هذه النظريات وتفسيرها بكل صراحة وأمانة. وإخفاقهم في القيام بذلك هو إخفاق غير مهني بالمرة، على حد وصف براد ديلونغ بروفسور الاقتصاد لدى جامعة كاليفورنيا. وهذا العرض لا يعكس أبدا المقاربة الصريحة التي تستند إلى الأدلة الدامغة التي يرومها أغلب خبراء الاقتصاد المعنيين بالأمر.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما الذي سوف تصنعه المهنية حيال ذلك؟ هل هناك من معايير معروفة وموثوق بها؟ وإن كانت هناك معايير، فهل بالإمكان إنفاذها؟
وعلى غرار الجهات الرقابية والتنظيمية، يمكن لخبراء الاقتصاد الخضوع لتأثير الشركات القوية والأفراد النافذين، كما يقول لويس زينغاليس، أستاذ الاقتصاد في جامعة شيكاغو. وكان الخبراء المحافظون، على وجه الخصوص، ناجحين في تخريب الأبحاث تحقيقا لأغراضهم الخاصة، ولا سيما من خلال إنشاء مستجمعات الأفكار (المراكز البحثية) ومن خلال تمويل الاقتصاديين البارعين في تمويه الحجج الآيديولوجية بتطويع اللغة الأكاديمية الموضوعية لخدمة ذلك الغرض. وترجع الجهود المتضافرة إلى حقبة الثمانينات على أدنى تقدير.
كيف يمكن للمهنية أن تتحرر من هكذا مأزق؟ اقترح البروفسور زينغاليس وسيلة التشهير العام، اتباعا للجهود الإعلامية من شاكلة فيلم «المهمة الداخلية»، الذي يكشف عددا من الأكاديميين البارزين الذين يؤيدون فوائد التمويل الحديث مع الإخفاء المتعمد لدخولهم الضخمة من شركات وول ستريت العملاقة. ومن بين خبراء الاقتصاد الذي نالهم النقد والتقريظ كان البروفسور هوبارد من جامعة كولومبيا.
وتبدو طريقة التشهير العلني ملائمة إلى حد ما. وبعد كل شيء، فإن ثقة الرأي العام هي المورد الأول الذي يستفيد منه جميع خبراء الاقتصاد. وإن أرادوا الحفاظ عليها، ينبغي عليهم استقاء النصح والإرشاد من إلينور أوستروم الحائزة جائزة نوبل. فلقد أظهرت أن الإدارة الناجحة لمثل هذه الموارد تستلزم في العادة وجود وسائل فعالة للحفاظ على معايير وقيم المجموعة، من خلال ردع سلوكيات المصالح الذاتية بين الأفراد داخل المجموعة الواحدة.
وخبراء الاقتصاد الذي يقدمون آراءهم بأنها حقائق واقعة، أو أولئك الذين يسيئون للآراء المتفق عليها، فإنهم يغشون الجميع على حساب المهنة بأسرها. ولا ينبغي أن يفلتوا من دون محاسبة على ذلك.
* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة