لعل أول الطرق وأسهلها لمعرفة ثقافات الشعوب هي عن طريق أطباقها ومطبخها، فهذه المسألة باتت أحد أهم المحفزات السياحية حول العالم اليوم.
الانتشار الناجح للمطبخ الصيني والإيطالي والفرنسي والياباني حول العالم كانت له تبعات «اقتصادية» مهمة لهذه الدول، سواء كان على صعيد التبادل التجاري الشامل لتصدير البضائع والخدمات أو الزيارات السياحية لها. حتى فيما يأكله الإنسان حول العالم هناك سباق اقتصادي لافت عليه. في أحد لقاءاتي مع السفير الياباني في الرياض، قال لي: هل تعلم ما هو أكثر شيء نعتز بتصديره لعاصمة بلادكم؟ ليس «تويوتا» ولا «سوني» ولا «هوندا»! إنه عدد المطاعم اليابانية المنتشرة، التي تقدم سمكاً نيئاً في مدينة غير مطلة على البحر. إنه نجاح للثقافة اليابانية. أخيراً دخلت «مطابخ» دول جديدة حول العالم مثل البيرو وفيتنام وكوريا وتايلاند وتركيا، ولكن الجاذبية للمطبخ الياباني في الفترة الحالية تظل هي الأكثر تميزاً إلى درجة أن انتشار المطبخ الياباني بات له أثر مباشر على الحياة البيئية البحرية، خصوصاً أنه مصدر تهديد لسمكة التونا، وهي السمكة الأكثر استخداماً في الأطباق اليابانية، ولتلبية الطلب المهول على أسماك التونا تقوم بعض الشركات اليابانية المتخصصة في صيد التونا بالتعاقد مع دول مختلفة حول العالم لاستغلال صيد التونا من سواحلها، وتكون سفنها مجهزة للقيام بكامل العملية؛ من الصيد وصولاً إلى التغليف على ظهر السفينة، كما فعلت تلك الشركات مع عمان وفيتنام والصومال على سبيل المثال لا الحصر.
ولمعرفة «عولمة» المطابخ التقليدية اليوم دعونا نتمعن في التالي: اليوم كما هو معروف يُعتَبَر مطعم «لا بتيت ميزون» أحد أهم المطاعم الفرنسية ويقع في لندن (له فروع أخرى في دبي) وطباخه الرئيسي من نيجيريا! وظاهرة سلسلة مطاعم «نوبو» اليابانية التقليدية هي أيضاً انعكاس للعولمة، وهي التي أسسها ماتسوهيسا نوبو الياباني، الذي قدم أطباقاً يابانية غير تقليدية أبداً، بعد أن تأثر من خلال معيشته في البيرو بأميركا الجنوبية، وبالتالي حصل الخلط غير التقليدي بين الثقافتين، ونتج عنه النجاح المبهر لنوبو، الذي دخل معه شريكاً الممثل الهوليوودي المخضرم روبرت دي نيرو، وساعده على التوسع والانتشار.
وبالنسبة لأميركا، فقد تمكَّنَت بسبب قوة سوقها من فرض بصمتها على المطابخ التقليدية، فأصبحت هناك أطباق «صينية» و«إيطالية» و«يابانية» و«مكسيكية» غير معروفة إلا في أميركا نفسها، مع عدم إغفال أن أميركا نفسها تحاول تصدير ثقافتها «المطبخية» عبر «الهامبرغر» و«الهوت دوغ» و«الكولا».
وهناك أيضاً إسرائيل التي تحاول أن «تسرق» الأكلات العربية فتسعى جاهدة لتسجيل الحمص والتبولة والفلافل على أنها أكلات إسرائيلية لتوسيع قدراتها على التواصل مع العالم. أما عربياً فلم تحقق الانتشار العالمي العابر للحدود إلا أطباق محدودة، مثل «الكباب» و«التبولة» و«الحمص» و«الشاورما» والخبز العربي الذي تحول اسمه إلى «بيتا» في أميركا.
السباق «المطبخي» إحدى أهم سمات العولمة الناعمة للأمم والشعوب، وله انعكاسات سياسية وثقافية، وطبعاً اقتصادية، فهي كفيلة برفع درجة الفضول الإيجابي وتحسين الرغبة في التعارف، وبالتالي التبادل التجاري والاستثمار. الطريق إلى المعدة أولى الخطوات، عرف ذلك الرحالة الإيطالي الشهير ماركو بولو الذي وصل إلى الصين، وأتى برقائق «النودلز»، وقدمها في بلاده كـ«باستا» و«سباغيتي»، وانتشرت حول العالم لاحقاً.
7:51 دقيقه
TT
مطبخ وعولمة وتعارف!
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
