للحدود حدود

للحدود حدود

الأربعاء - 20 شهر رمضان 1438 هـ - 14 يونيو 2017 مـ رقم العدد [14078]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
دعونا لا نبالغ كثيراً في تبسيط الأمور. ولكنَّ ثمة واقعاً بيِّناً أمامنا لا يحتمل شيئاً سوى التبسيط: كل دولة عربية تجاوزت حدودها للتدخل وراء حدود الآخرين، تحولت أرضها إلى ساحة لصراعات الأمم. قطر آخر الأمثلة وليست أولها. ولا نعرف من هو الأول بالتحديد. ربما كان العراق، الذي أراد أن يحتل الكويت، وأن يذل إيران، وأن يعزل مصر، وأن يؤدب الفلسطينيين، وأن يقلب الحكم في موريتانيا، وأن يخوض الحرب الأهلية في لبنان.
وربما كان سوريا، التي أرادت القبض على القرار الفلسطيني، ومعاملة لبنان مثل مزرعة، ورئيس لبنان مثل عريف في الشرطة البلدية، ومعاملة رئيس مصر مثل تلميذ روضة قومية عند بشار الأسد، ومعاملة العراق البعثي مثل عدو. وربما كان منظمة التحرير التي عاملت العربي طوال عقدين مثل خائن في حاجة إلى إفادة قومية. وربما ليبيا، التي طاف قائدها الملهم على كل دولة يلقّنها معاني الكرامة والوحدة.
تلك هي الدول والنماذج التي سماها محمد الرميحي «العابرة للحدود». لم تحاول حل شؤونها، بل قضايا غيرها. لم تقبل بواقعها وحجمها، بل أرادت حجم سواها. عندما قرأت أن قطر تعاني أزمة غذائية، أول ما خط لي، ماذا لو أنها صرفت 500 مليون دولار أسبوعياً على الأمن الغذائي بدل دورة الأولمبياد التي ستتحول مبانيها إلى - لا شيء - فور انتهائها! جميع الدول عابرة الحدود تحولت إلى ساحات بائسة لجميع العابرين إليها.
لا نريد المبالغة في التبسيط. لكن كل هذه الأمثلة تؤكد أن الدول تكبر بنفسها، لا بسواها. وتعتز بإنجازاتها الداخلية، لا بانتصاراتها الخارجية. لم يفد إذلال لبنان أي شيء في عز سوريا. ولا أفاد خطف الكويت شيئاً في مجد العراق، ولا زادت برامج «الجزيرة» في حجم قطر. ولا أقامت مغامرات القذافي وأمواله دولة في ليبيا، يورثها إلى الليبيين.
جميع عابري الحدود يعانون اليوم داخل حدودهم. لم يصدِّروا نماذج اجتماعية اقتصادية إدارية تقلَّد، بل أرسلوا الجيوش وغذوا الميليشيات والفلتان والخوات، وفتحوا أبواب السجون أمام المجرمين، وها هم يرتعون الآن في ديارهم، ويفككون أواصر الدولة، وينخرون أسس المجتمعات.
لم يقبل القذافي بأن يكون أقل من «صاحب النظرية الثالثة» بديلة الاشتراكية والرأسمالية، وقرنين من دراسات كبار العلماء. ولم يقبل العراق بأقل من احتلال بلد بكامله. ولم تقبل سوريا بأقل من أن يحكم ضابط برتبة عميد، الدولة اللبنانية. «الشعب العظيم» و«النهر العظيم» و«الجماهيرية العظمى». مرحلة انتهت إلى حال غير عظيم على الإطلاق. عابرو الحدود لا يريدون اليوم أكثر من استعادة حدودهم، الحسيّة والمعنوية.

التعليقات

خزرجى برعى ابشر
البلد: 
المملكة العربية السعودية
14/06/2017 - 05:09

ايمان الصحابى الجليل عبدالله بن مسعود شهادة وتزكية من الرسول صلى الله عليه وسلم حينما سخر البعض من نحافة جسمه فالانسان يسمو بأفعاله وسلوكه دولة مثل (ماليزيا ) فرضتها نفسهاعلى العالم واصبحت من الدول التى يشار اليها بالبنان لم ترسل جواسيس لم تشترى ذمم احد لفرض هيمنتها على الدول التى حولها بل فرضت احترامها واصبحت قدوة لكثير من الدول وصارت السياحة اليها طموح لكثير من رجال الاعمال هل وعى بعض الزعماء هذا الامر بدلا من تبديد اموالهم وصرفها للعملاء لفرض سطريتهم على الاخرين والشاعر قال (الامم الاخلاق ما بقيت كونو قدوءة ياتونكم الناس طوعا وولاءهم وحبهم يصير من قلوبهم وليس من جيوبهم اللهم اهدى قومى فانهم لايعلمون

احمد العيثاوي
البلد: 
العراق
14/06/2017 - 05:52

لم تتوقف عن مفاجأتنا بمقالاتك التي حقا اقل ما يقال عنها رائعة...

فؤاد محمد قصاص
البلد: 
جدة
14/06/2017 - 08:05

حقائق تتحدث عن نفسها عبر بعضاً من تاريخ العرب الحديث .اتمني من الكاتب القدير ان يعرج على مسيرة التاريخ في سلوك الدول وخروجها من حدودها طبعاً طمعاً في الاستحواذ على المزيد من السيطرة على خيرات جيرانها وفرض ماتريد عليهم شكراً لكم أستاذ سمير على تسليط الضوء على جزء من تاريخ التسلط العربي او التسلط العسكري العربي الحديث الذي أدخلنا في سراديب الانقلابات المتعاقبة والتي لم تأت بخير عندم نتوقف لمقارنتها بأمجاد كانت قبيل مجئ العسكر وخروجهم من معسكراتهم وحدودهم فياليتهم يعودون لها ويتركون بلدانهم الى أهل الخبرة والسياسية والنظام والسلام

يحيي صابر .. كاتب ومؤرخ نوبي
البلد: 
مصر
14/06/2017 - 10:17

احسنت استاذنا الجليل .. ودائما الطمع يقل ما جمع .. مثل حقيقي لم يكتف صدام حسين بابعاد مصر عن الجامعة العربية بعد اتفاقية السلام مع اسرائيل ولكنه ضرب الجامعة في مقتل حينما اراد محو الكويت من الخريطة .. حافظ الاسد ترك طائرات اسرائيل تمرح فوق بلاده واتجه الي لبنان ينشر فيه الخراب والدمار .. القذافي اهتم بالشكل ونسي ان الشكل لو يؤيد بمضمون قوي وصالح حتما سيمزق وسيذهب وسيتعري وهذا ما حدث له .. كل من هم في شاكلة هؤلاء الزعماء المؤيدين من بعضنا للاسف ساهموا في خراب بلادهم .. اما الذين عملوا في صمت لصالح بلادهم بقيت اعمالهم خالدة تلاحقهم الدعوات الصالحة الان .. وفي النهاية لايصح الا الصحيح .. وللاسف حتي الان هناك من يقول انها المؤامرات ..والسؤال لماذا لانعطي لعقولنا مجالا حتي نتفادي المؤامرات وننزلق الي حيث ما يريده المتآمرون ؟

متعب الشمري
البلد: 
السعوديه
14/06/2017 - 14:31

الله المستعان , النتائج هي التي تبرهن نجاح أو فشل أي خطط أو رؤى , ومالنتائج التي ذكرت في مقالك الرائع الشيق الا من ذلك .

ابوطارق
البلد: 
الدمام
14/06/2017 - 14:54

كلمة استاذ قليلة في حقك
اطال الله في عمرك لتمعتنا وتفيدنا بمقالاتك الرائعة

عبدالله صالحين
البلد: 
Saudi Arabia
14/06/2017 - 18:08

من المؤسف أن القذافي لم يقم دولة مؤسسات يرثها الليبيون من بعدة ، كانت الدولة محصورة فيه، لم يطور من قوانينها ومؤسساتها ، كان يجيد الكلام العابر للمحيطات ، أقام النهر في الصحراء ، ولو كان حسة أعلى لأقام الدولة قبل كل شيء،
شيء مؤسف ومقياس حقيقي للفشل القيادي، يقطف ثمارها الليبيون اليوم.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر