الخميس - 27 شهر رمضان 1438 هـ - 22 يونيو 2017 مـ - رقم العدد14086
نسخة اليوم
نسخة اليوم 22-06-2017
loading..

الطاحونة

الطاحونة

الاثنين - 17 شهر رمضان 1438 هـ - 12 يونيو 2017 مـ رقم العدد [14076]
نسخة للطباعة Send by email
تتشابه الأمثال والأقوال، من بلد إلى بلد، ومن زمن إلى زمن. فالمهم هو المعنى. والمعنى، أو المقصود، واحد. لكن الاختلاف في العرض يكون أحياناً في حجم عاصمة إمبراطورية. ففي اللغات الغربية جميعها تقريباً، مَثَل يقول: «كل الطرق تؤدي إلى روما». أي يوم كانت المدينة مركز القرار في معظم المعمورة. يقابله في لبنان المثل الشعبي: «كل الطرق تؤدي إلى الطاحون». أو المطحنة. أو الطاحونة. أنت ولهجتك ومنطقتك.
لم يعد لروما الإمبراطورية وجود منذ قرون، لكن المثل لا يزال جارياً في كل مكان. وأما المطحنة، فقد اختفت، في لبنان على الأقل، منذ أوائل القرن الماضي. وكانت عبارة عن مبنى صغير عند شلال ماء قوي، وفيه حجر مستدير شديد الضخامة، تدفعه المياه فيطحن حبوب القمح إلى دقيق.
وكانت أحياناً قرى بأكملها تُسمّى باسم الاختصاص الصعب، مثل «مزرعة المطحنة». ويفهم من أغنية فيروز «عَ الطاحونة، شفتك عَ الطاحونة» أن عالماً قروياً بأكمله كان يعايش المكان. شباب يحملون أكياس القمح، وصبايا ينقّين القمح من الزؤان، وهدير المياه، وصخب الحجر الضخم. وهات يا طحين. إذن، في إمكان جنابك أن تستخدم المثل الأول ولو كنتَ لا تعرف روما وطرقاتها، وكذلك، المثل الثاني، ولو كنتَ لا تعجن ولا تطحن ولا تغني فيروز لرؤيتك: «نازل نازل عَ مفارق الحارة/ شفتك نازل وعيونك محتارة».
لكن ثمة مشكلة مع بعض الزملاء في استخدام بعض الأمثال ذات المعنى الحصري. وأكثر ما يتكرر في هذا الباب مثل «ما هكذا يا سعد تورد الإبل». والدلالة واضحة طبعاً، لكن إذا كان الأمر مغلقاً على سعد نفسه، فكيف يمكن أن يفهمه الزميل جورج أندراوس، الذي يعاتبه زميله جان لوي اده في حوار في أحد مقاهي شارع مونو، بمقال هذا عنوانه: «ما هكذا يا جان لوي تورد الإبل». وكل النقاش في المقال عن الأملاك البحرية على شواطئ بلدكم العزيز، فلا صحارى ولا إبل.
غير أن القصد واضح تماماً، وهو أن سعادتك قد أخطأت، ليس في حقنا فحسب، بل حتى في حق الإبل التي تستحق عناية أفضل.
تحدث السالفون بالأمثال إلى تواليهم وأحفادهم. فلم تكن لديهم معادلات حسابية أو فيزيائية يقدمونها لإثبات المراد المنطقي. وقد لفتني وزير اقتصاد النرويج عندما خاطب أحد أرقى شعوب العالم بالمثل الذي كان يردده الجدود في القرى: «على قد بساطك مد رجليك». عبقرية المعادلة في وضوحها. وما ينطبق اليوم في دولة متقدمة مثل النرويج، كان ينطبق قبل عقود طويلة في بلدان البسط والبساطة. وسواء كنت تعرف روما أم لا، وسواء كنت تعرف ما هي الطاحونة أم لا، فإنك تعرف أن الطرق تتفرع قليلاً، تتعرج قليلاً، ثم الوصول.
لا بد أن تكون الخواتيم مفرحة، لكن إليكم ما قال نزار قباني: «كل الدروب لدى الأوروبي توصل إلى روما/ وكل دروب الحب توصل إلى حلب».

التعليقات

حسن غلاب
البلد: 
المغرب
12/06/2017 - 01:19

لِللَّهِ ذرك استاذ، ذكرتنا بأيامٍ جميلات خلت. اواخر السبعينات ، كان استاذ حصة التربية الاسلامية، يحلو له ان ان يفتح بعض المنعرجات اللطيفة على زخارف اللغة العربية، كأن ينفحنا بجملة من الامثال الرائعة مع الشرح والتدقيق في اصل المثل او لنقل قصة المثل. ومن بينها :اوردها سعد وسعدٌ مشتمل ما هكذا ياسعد تورد الابل. كناية على من ينهي عملا جادا ما على نحوٍ مثير للضحك! مع كل المنى في هذا الشهر المبارك، ان تطغى وشائج المودة ، التآخي والتآزر الامتين المتداخلتين الاسلامية و العربية.

حسن غلاب
البلد: 
المغرب
12/06/2017 - 01:37

نتمنى على الاستاذ سمير عطا الله ان يتفضل باتحافنا ببعض المواقف الحكايات والاحداث التي ترتبط لديه بالشهر الفضيل. لاشك ان الامر سيكون مثيرا ورائعا. كلنا يعرف ان كل شيء تلمسه نفحات رمضان يتحول الى ذرر.

خزرجى برعى ابشر
البلد: 
المملكة العربية السعودية
12/06/2017 - 04:44

اخى الاستاذ سمير انا من المدمنين لمعرفة الامثال الشعبية لانها حقا هى نتيجة معملية لتجارب اجدادنا واباءنا وهى قاعدة اخلاقية نستند عليها لللحكم فى كثير من المشاكل التى تعترضنا بل هى مفتاح النجاح الى الاجاويد والصلح بين الخصوم ولكن بعد ظهور التقنية الحديثة والجولات الخ سقط احد الامثال الشعبية امام هذه التقنية ولاادرى هل هو سقوط حقيقى ام ان حرقة الصرف اليومى للبطقات الشحن التى استنزفت جيوبنا هى السبب فقد كاان ابانا وبحكمتهم وحنكتهم عند يريدون ان ينهوا بعض المشاجرات بين الناس يقولوا للطرف الثانى يا اخى خليه يتكلم الكلام بفلوس ؟ الان اخى سمير الكلام بالاف الفوس ونحن نشترى عشرات البطاقات للثرثرة عبر الجوال

احمدالقعود
البلد: 
دبي
12/06/2017 - 05:48

تحية إجلال وتقدير لك استاذنا الفاضل على ماتتحفنابه نحن في الإمارات نقول كذلك (عمان كلها دروب)

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
12/06/2017 - 06:01

جميل جدا، رائع مقالك استاذنا الكريم سمير عطا الله

محمد بن عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
12/06/2017 - 15:14

“أوردها سعد وسعد مشتمل      ما هكذا يا سعد تورد الإبل”
مثلاً يضرب لكل من حصل منه عمل غير مناسب،
مثلاً في كل من يعمل عملاً بطريقة غير صائبة ولا مناسبة.