الابتكار والركود

الابتكار والركود

الأربعاء - 6 شهر رمضان 1438 هـ - 31 مايو 2017 مـ رقم العدد [14064]
يعتقد صناع السياسات أن التكنولوجيا سوف تنقذهم. وليس ذلك سوى وهم كبير.
الابتكار، كما يأمل الكثيرون، سوف ينقذ العالم من الركود الاقتصادي. لكنني غير واثق بذلك.
إن المدى الذي تبلغه أهمية الابتكار يتوقف على درجة نجاحه في تغيير النشاط القائم أو الأداء الراهن لوظيفة من الوظائف. ولا بد من أن توجد أنشطة ذات صلة وأخرى فرعية، والتي تؤدي بدورها إلى زيادة فرص العمل، والثروات، وغير ذلك من الاكتشافات في الدورة الفعالة. ولا بد من أن يتسم بطول العمر، والمقدرة على الاستغلال على فترات طويلة. وهذه السمات هي السبب الأساسي في نجاح الثورة الصناعية الثانية.
وابتكارات العصر الحاضر من غير المرجح لها أن تكون على مثل مستوى القوة.
هناك فوائد جمة وكبيرة لمعظم التكنولوجيات الحديثة، ولكنها لا تعيد صياغة أنماط عمل الأشياء بصورة جذرية. فالسيارات ذاتية القيادة أو السيارات الكهربائية ليست إلا نوعاً جديداً من السيارات المعتادة. وهي لا تمثل بحال قفزة كمية تمثل النقل بالمحركات الذي تجاوز استخدام الحيوانات في سالف الأزمان. وعزز البريد الإلكتروني من سرعة الاتصالات، ولكنه لا يعتبر تغييرا جذريا مثل ظهور الهواتف أول الأمر. والمنصات الإلكترونية الحديثة مثل: «إيباي»، و«أوبر»، و«إيربنب». ليست إلا أسواقاً جديدة تجذب المشترين إلى البائعين عبر أوساط جديدة. والبيانات الهائلة هي مجرد وسيلة أكثر تطورا للتعامل مع المعلومات والتحليل الإحصائي.
وعلاوة على ذلك، فإن كثيراً من الشركات التكنولوجية الحديثة تركز جهودها الآن على الاستهلاك، وتحسين التسويق والتوزيع للبضائع والخدمات المتواجدة بالفعل. ويتمحور تركيز بعض هذه الشركات على الترفيه والاتصالات، مع الأثر الملموس على الإنتاجية. وأغلبها يؤكد على تعزيز السرعة، والمقدرة، والقوة، والكفاءة، بدلا من تغيير العمل نفسه. ولم تتمكن برمجيات معالجة النصوص من إلغاء الحاجة إلى كتابة الوثائق والمستندات ولكنها أزالت الحاجة إلى وظيفة السكرتير ومجموعات الكتابة، وتركت الأفراد يقومون بهذه المهام بأنفسهم.
وتميل التكنولوجيات الجديدة إلى إضعاف الصناعات القائمة، وتحديد تأثيرها الواقعي على النمو والإنتاجية. فلقد قضت الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، أو هي في طريقها، للقضاء على الحواسيب المكتبية والمحمولة، والهواتف الجوالة، ومشغلات الموسيقى المحمولة مثل «واكمان»، وأجهزة المساعدة الرقمية مثل بالم بايلوت التي كانت ذائعة الانتشار والاستخدام. كما أنها حلت محل الكاميرات والساعات العادية. وبدأت في الاعتماد على نظام تحديد المواقع العالمية وغير ذلك من التكنولوجيات المستقلة. وعملت شركة «الفابيت» وشركة «فيسبوك» إلى تحويل إيرادات الإعلانات من الصحف والمجلات إليها. واستحوذت شركة «أمازون» وغيرها من شركات البيع عبر الإنترنت على نصيبها من السوق من شركات التجزئة العادية. وقضت شركة «نيتفليكس» على التلفزيون، وعلى متاجر أفلام الفيديو، وعلى دور السينما تماما.
صحيح أن كثيرا من الابتكارات الجديدة قد نجحت في تخفيض التكاليف. ولكنها قد فعلت ذلك في كثير من الأحيان عن طريق استخدام منتجات أقل جودة، أو عمالة غير مدربة جيدا، أو من خلال اشتقاق الإيرادات من الأصول الشخصية. تسمح خدمة «إيربنب» للمستخدمين بتأجير مواقع الإقامة الخاصة بهم للسكن المؤقت. كما تسمح خدمة «أوبر» باستخدام السيارات في تقديم خدمات الركوب والتوصيل للآخرين (أو هي تنطوي على لوائح خاصة بها). وكثير من وسائل الإعلام أو الخدمات الترفيهية على الإنترنت تعتمد على المساهمين الذين يوفرون الخدمات المجانية للعملاء والمستهلكين.
تسبب مثل هذه الاضطرابات التغييرات الكبيرة في اقتصاد الصناعات. فلقد عملت التكنولوجيات الحديثة على تخفيض أسعار الإعلانات، وأفادت بذلك المعلنين في مقابل الإضرار بالشركات التي تعتمد في أعمالها على الإعلانات. وعانت سيارات الأجرة والفنادق من نفي التأثير السلبي بسبب خدمات «أوبر» و«إيربنب»، حيث خفضت من أرباح شاغلي هذه الوظائف التقليدية بصورة كبيرة. وتدفع المنتجات والخدمات منخفضة التكاليف المزيد من الدخل المتاح للمستهلكين لإنفاقه في مصارف أخرى. ولكن التكاليف المنخفضة في أغلب الأحيان تأتي على حساب العمالة والأجور. فإن فقدان الدخل يضر بالمدخرات. وفي نموذج اقتصادي فإن 60 إلى 70 في المائة من الدعم يأتي من الاستهلاك، وهذا يؤثر على النشاط الاقتصادي الإجمالي.
وإيجازاً للقول، ليس هناك سبب قوي يدعونا إلى الاعتقاد بأن هذه الجولة الحالية من الابتكار سوف تتغلب على الركود الاقتصادي. وتأثيره الكلي على النشاط الاقتصادي ومستويات المعيشة هو أقل مما كان يتوقع. ولقد أدى فشل وسائل الانتصاف التقليدية في استرجاع صحة الاقتصادات المتقدمة بصناع السياسات إلى التعهد بإحداث إصلاحات سريعة وغير مؤلمة في حين أن الكثير منهم لا يزالون في حاجة إلى المساعدة في استخدام الأجهزة الرقمية الخاصة بهم، والكثير منهم أيضا معرضون لصفارات الإنذار التكنولوجية الحديثة.
* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة