الانتقال ما بين الأجيال

الانتقال ما بين الأجيال

الثلاثاء - 27 شعبان 1438 هـ - 23 مايو 2017 مـ رقم العدد [14056]
مينا العريبي
مساعدة رئيس التحرير السابقة، عملت مديرة مكتب «الشرق الأوسط» في واشنطن بين عامي 2009- 2011 وهي الان رئيسة تحرير صحيفة «ذا ناشيونال» الإماراتية

إنها سنة الحياة أن يذهب جيل ليحل محله جيل آخر، يكمل بعض ما بدأته، ويقلب بعض ما خططت له. والقيادي الحقيقي يستثمر الوقت والجهد لإعداد خلفه، وقبل أن يكون حتى قد اقترب من مرحلة نقل السلطة. والاعتراف بأهمية الإعداد لانتقال السلطة والمسؤولية بين الأجيال يتطلب شجاعة وبعد نظر لا تأتي بسهولة.
تحت شعار «تمكين الانتقال ما بين الأجيال»، انعقد المنتدى الاقتصادي العالمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في البحر الميت بالأردن هذا الأسبوع. وتميز هذا المنتدى بقيام ولي العهد الأردني الأمير الحسين بن عبد الله الثاني بافتتاح المنتدى بخطاب قوي ومؤثر عن دور الشباب في المجتمع، بحضور والده الملك عبد الله بن الحسين الثاني، الذي جلس في الصف الأمامي، وهو يستمع إلى الأمير الحسين والفخر ظاهرا على وجهه. واعتاد المشاركون في المنتدى على أن يكون الملك عبد الله هو من يفتتح أعماله، فكسر هذا التقليد جعل الجميع يستمع باهتمام. وقال ولي العهد الأردني يوم السبت الماضي أمام أكثر من ألف قيادي في مجالات السياسة والمال والأعمال والإعلام بواسطة «الأمل وفرصة عادلة» يمكن للشباب أن يشقوا طريقهم في منطقتنا الملتهبة.
وشهد المنتدى مشاركة عدد غير مسبوق من الشباب، تميز من بينهم أصحاب أفضل مائة شركة ناشئة اختارها «المنتدى الاقتصادي العالمي» مع «مؤسسة التمويل الدولية». ومن بين هؤلاء أصحاب شركات في الإمارات والأردن والسعودية واليمن وسوريا ولبنان. وعلى الرغم من اختلاف أنواع الأعمال التي تقوم بها هذه الشركات، فإنها اشتركت في أن أصحابها بلوروا فكرة إلى عمل ناجح ليلاقوا مردودا ماليا مقابله. ولم يشتك أي منهم من مشكلات، بل ذكروا تحديات وطرحوا أفكارا حول إمكانية حلها، في أجواء إيجابية حقيقية. مائة شركة اختيرت من حول العالم العربي، وبعض من أصحاب تلك الشركات يعملون في بلدان تشهد حروبا فتاكة. وعند الحديث مع بعض هؤلاء الذين جاءوا من تلك الحروب، كان الرد واحدا: لا يمكن انتظار انتهاء الحروب، بل يجب العمل من أجل الدفع ضد الحرب.
ينظر البعض إلى الشركات الصغرى والناشئة على أنها ثانوية للاقتصادات بشكل عام، ولكن هذه نظرة خاطئة، إذ إنها باتت محركا أساسيا للاقتصادات في المنطقة، وتتمركز على التقنيات الجديدة التي ستحكم الاقتصادات في المستقبل القريب.
باتت الإحصاءات حول نسبة الشباب في المنطقة معروفة، فحسب البنك الدولي، 60 في المائة من التعداد السكاني في المنطقة دون الـ25 عاما. ونحو 28 في المائة من التعداد السكاني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بين 15 و29 عاما، وهم بحاجة إلى فرص عمل اليوم - وليس مستقبلا - و31 في المائة من هؤلاء عاطلون عن العمل ولا يدرسون. نسب البطالة في كل من العراق وسوريا واليمن وليبيا من المرجح أن تكون أعلى جراء الحروب، ولكن لا توجد إحصاءات دقيقة لمعرفة مدى الدمار. وهؤلاء يحتاجون إلى وظائف في القطاعين العام والخاص، بالإضافة إلى تمويل لمشاريعهم في حال كانت لديهم فكرة عمل جيدة. والأهم من ذلك، هم بحاجة إلى «الأمل وفرصة عادلة».
اتخاذ القيادات السياسية قرارات فعالة لتمكين هؤلاء الشباب بات هدفا استراتيجيا لدول المنطقة وللمنطقة ككل. ونرى ذلك في بعض الدول العربية، خصوصا الخليجية، ولكن ما زالت كثير من السياسات والخطوات المأخوذة محدودة في غالبية الدول. والأهم من ذلك، المجتمع عليه الاستجابة.
قبل أشهر قليلة نشرت وكالة الصحافة الفرنسية صورة لفتاة عراقية، مارينا جابر، وهي تقود دراجتها وسط بغداد، وخلفها مجموعة من الشابات المبتسمات مستقلات دراجات. كانت الصور بعيدة كل البعد عن صور الدمار التي اعتدناها تأتي من العراق. وبعد انتشار صورة الشابة، خصوصا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قامت وكالة الصحافة الفرنسية بمقابلتها، لتسألها عن سبب قيامها بقيادة الدراجة وسط شوارع بغداد التي بات مجتمعها محافظا، ورد فعل «المجتمع» حول ذلك. فأجابت مارينا «أنا المجتمع». وعندما يصل الشباب إلى مرحلة يشعر بأنه هو المجتمع - بكل ما يجلب ذلك من مسؤولية وواجب ووعي - يستطيع أن يعطي للمجتمع.
كل جيل عليه أن يسلم «القيادة» للجيل المقبل، وتحدث عملية التسليم بمراحل متعددة، ولكن مع سرعة وسهولة انتقال المعلومات وسرعة وتيرة الأحداث، نرى هذا الانتقال يوما بعد يوم يتجسد ويتسارع. الشباب يقولون «أنا المجتمع» وهم الحاضر وليس فقط المستقبل. فلنعطهم الخبرة والدعم والنصائح بدلا من وضع أي حجر عثرة في طريقهم. ولا يمكن التفكير بانتقال القيادة في عالم المال والأعمال والمجتمع من دون التطرق إلى الانتقالات السياسية المحتمة في العالم العربي. والاحترام المؤكد للأكبر منا، ضمن التربية التي اعتدناها منذ الصغر، يجعل من الصعب الحديث - أو الكتابة - مباشرة عن هذه القضية، ولكنها موجودة في أذهان كثيرين. وكانت من أبرز المشاركات في المنتدى الاقتصادي العالمي وزيرة الدولة للشباب التونسية، فاتن قلال، الوزيرة الشابة التونسية التي أشرفت للتو على حوار شبابي في تونس شارك فيه 40 ألف شاب، ضمن الحاجة إلى تنمية الوعي السياسي للمرحلة المقبلة. انتقال السلطة يكون سليما متى ما استند إلى أسس الحوار والتشاور والأخذ برأي الأطراف المختلفة المساهمة في المجتمع، وعلى رأسها الشباب.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة