أسلمة العلمانية

أسلمة العلمانية

الثلاثاء - 19 شعبان 1438 هـ - 16 مايو 2017 مـ رقم العدد [14049]
حمد الماجد
عضو الجمعيّة الوطنيّة لحقوق الإنسان وعضو مجلس إدارة مركز الملك عبدالله العالمي لحوار الأديان والحضارات - فيينا

طبعاً ليس المقصود بـ«أسلمة العلمانية» الوارد في عنوان المقال «الأسلمة» ذاتها التي تكررت في خطاب عدد من منظري التوجهات الإسلامية السياسية؛ أسلمة الأدب وأسلمة الاقتصاد وأسلمة العلوم الاجتماعية... إلخ، وإنما هو مصطلح جديد يريد أن يعبر عن المخاض الذي تواجهه هذه التوجهات الإسلامية في تعاطيها مع فكرة المشاركة السياسية التي مرت بمراحل في عدد من الدول العربية والإسلامية، تشدد بعضها لدرجة تحريم مجرد المشاركة في الانتخابات البرلمانية ما دام الحكم «غير إسلامي»، وتراخى بعضها لدرجة القول إن العلمانية هي الصيغة الأنسب للحكم.
ولعل أكثر هذه الأطروحات عمقاً الآراء الإصلاحية الجريئة في عالم المشاركة السياسية التي تبناها وأصل لها وطورها رئيس وزراء المملكة المغربية الدكتور سعد الدين العثماني، قاطفاً من كل بستان معرفي زهرة ومرتوياً من كل ينبوع فكري شربة، فتعددت مصادره وتنوعت ينابيعه، ولم يحصر نفسه في حدود أدبيات الحركات الإسلامية، بل انطلق في فضاء المصادر المختلفة يعالج هذا الملف الشائك بخبرة الطبيب الحاذق يحاول فك الاختناقات وكشط التكلسات وتسليك الانسدادات في أدبيات التوجهات الإسلامية السياسية بغية حلحلتها، لتواكب المتغيرات وتتعامل مع الظروف الطارئة بما يناسبها.
اختار العثماني لفك تشابكات الدين والسياسة مصطلحاً بالغاً في الدقة؛ «تمييز الدين عن السياسة»، والتمييز لمن دقق في دلالاته يختلف عن الفصل، ولهذا كان عنوان كتابه المثير للجدل «الدين والسياسة: تمييز لا فصل»، ونظرية التمييز التي نظر لها الدكتور العثماني ونافح عنها وأصلها ليست جديدة ولا هو ادعى نسبتها إليه، وقصارى ما فعل أنه بعث النظرية من مرقدها ونفض عنها الغبار وأطلقها مدوية في عالم ما يسمى الإسلام السياسي.
يختصر الدكتور سعد الدين العثماني نظرته ونظريته بالقول إن «العلاقة بين الدين والسياسة ليست علاقة فصل؛ لأن الدين حاضر في السياسة بشكل من الأشكال في جميع الثقافات والحضارات والمجتمعات، بما فيها المجتمعات الغربية اليوم، ولكنها في الوقت نفسه ليست علاقة وصل تام؛ لأن الفعل السياسي هو دنيوي في الإسلام بامتياز، فهو بشري اجتهادي تقديري، رغم كونه من حيث العموم يخضع لمبادئ الدين وأحكامه».
أمسك الدكتور العثماني مبضع عمليته الجراحية الفكرية، ومايز بين الدين والسياسة، فأوضح أن الدين هو ما كان مطلوباً لمصالح الآخرة، أي ما هو مطلق من تعاليم وأحكام في الدين، بينما أحكام السياسة تدخل ضمن ما هو مطلوب لمصالح الدنيا، فهي ليست ديناً بالمعنى الأول، أي ليست وحياً ولا أحكاماً مطلقة، وتبنى العثماني نظرية العلامة القرافي الذي ينزع للرأي الذي يقول إن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من أعمال سياسية وعسكرية هي اجتهادات بشرية وليست كلها وحياً يوحى، أشبه بمسألة «تأبير النخل» أي تلقيحه، حين اعترض عليه فأطاعوه فخرج شيصاً فأخبروه بالأمر، فقال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، والسياسة وإدارة شؤون الدولة كذلك.
وتبرز أهمية هذا المبحث بعد أن اختطفت الحركات الإرهابية المتشددة، مثل تنظيم داعش، فكرة الخلافة الإسلامية المزعومة وطبقتها في المناطق التي احتلتها في العراق وسوريا، واستطاعت بهذا التطبيق العملي المنفر مداعبة ودغدغة مشاعر شريحة كبيرة من الشباب في طول العالمين العربي والإسلامي وعرضهما، حتى تسللوا إليها من كل حدب ينسلون.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة