جغرافية أوروبا السياسية واليورو

جغرافية أوروبا السياسية واليورو

الأربعاء - 13 شعبان 1438 هـ - 10 مايو 2017 مـ رقم العدد [14043]

من المفيد أن يعيد الإنسان تقييم آرائه في كل ما يجرى حوله، وآخر مرة راجعت فيها نفسي كانت عندما أدركت أن العملة الأوروبية أفضل وأقل عرضة للتقلب مما توقعت. ما زلت أرى أن استحداثها وتوسعها كانا خطأين كبيرين، لكنني الآن أراهما خطأين أصغر بكثير مما اعتقدت في السابق. فأغلب الكلفة المترتبة على اليورو باتت جزءا من الماضي، ولذلك ربما يكون مستقبل اليورو واعداً.
لكن ما الدليل الجديد على ذلك؟ هناك سبب وجيه وهو أن الجغرافيا السياسية تبدو أنها تفضل اليورو. ففرنسا وهولندا، وقريبا ألمانيا، جميعها ترفض أحزاب اليمين المتطرف والأحزاب الشعبوية المعارضة للمشروع الأوروبي بقوة في مراكز الاقتراع.
من ضمن الأهداف الإقليمية لليورو ربط الدول بالاتحاد الأوروبي وبقوانينه الخاصة بالتجارة الحرة وحرية الهجرة والتنقل. والدولة الأوروبية الوحيدة التي تحاشت تداول اليورو هي المملكة المتحدة التي صوتت في صالح خروجها من منظومة الاتحاد برمتها لتجلب لنفسها الأذى. إستونيا ولاتفيا ـ اللتان تبنتا اليورو لأسباب سياسية من أجل تعزيز رابطتهما مع الاتحاد الأوروبي – ما زالتا في مأمن من العدوان الروسي المحتمل. ومناطق الاضطرابات السياسية الكبيرة هي المجر وبولندا، وهما لا تتداولان باليورو. قد يكون ذلك مجرد مصادفة، لكن ربما يعكس هذا أيضا رابطة سيكولوجية حقيقية ناتجة عن تبني عملة اليورو.
اقتصاديا، اليورو يبدو في حال أفضل الآن حيث تنتفض أوروبا لتفيق من حالة التباطؤ التي عانت منها، لكن الدليل الأوضح يوحي بإعادة النظر فترة 2008 – 2012، وهي الفترة التي ساءت فيها سمعة اليورو. فقد حقق العديد من الاقتصاديين الأوروبين ضربات كبيرة في التوظيف وزيادة الإنتاج، وبالفعل كان اليورو على خطأ جزئيا. وكانت المشكلة كبيرة لليونان وقبرص، حيث شجعت أزمة الوفاء بالديون أصحاب ودائع اليورو على الهروب بودائعهم، مما سبب انكماشا في الأرصدة وفي تصعيد إجراءات تفادي التضخم.
والآن أصبحت أفكر في فترة 2008 – 2012 بوصفها فقاعة طويلة المدى من الاستثمار المفرط في محيط الاتحاد الأوروبي، وأن تلك الفترة كانت ظرفا خاصا شهدت أداءً ضعيفا للسياسات الاقتصادية الأوروبية. ولأنه من غير المرجح عودة تلك الأوضاع مرة أخرى، سوف يكون أداء اليورو أفضل في المستقبل.
دعونا نفكر في تشابه الأوضاع ونقارن بين إجراءات التقشف المالي المطبقة الآن مع الإجراءات التي جرت في السابق. فاليونان مثلا تطبق تعديلات مالية غير مسبوقة، مع تحقيق فائض أساسي يقدر بنحو 3.9 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، ورغم ضعف مخرجات اليونان، فقد استمرت ثابتة. والبرتغال ما زالت تقلص من استثمارات القطاع العام، لتخفض من عجزه من 4.4 في المائة إلى 2.1 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وبدلا من أن ينهار الاقتصاد، ارتفع بواقع 1.4 في المائة.
بالطبع، لم يظهر التقشف المالي بداية العام الحالي، وهو ما لم يفعله اليورو أيضا، وكان الانفجار الداخلي الناتج عن انفجار الفقاعة بالغ القوة، ولهذا يجب علينا ألا نعمم الأداء السلبي خلال تلك السنوات.
هناك جانب آخر وهو أن طبيعة التجارة الدولية المتغيرة تتسبب بتدني فوائد سعر الفائدة المرنة. ففي نظرية الاقتصاد القياسية، يمكن للدولة التي تمر بفترة اضطراب أن تقلل من تبعات الركود عن طريق السماح بتراجع قيمة عملتها، مما يعزز من صادراتها. لكن عضوية الاتحاد الأوروبي حدّت من استخدام تلك الوصفة. لكن بعدما عبرت الإمدادات المزيد من الحدود، بات تقليل قيمة العملة أقل تأثيرا. ولو أن إيطاليا مثلا استوردت مواد خاماً من الدول ذات الاقتصاديات الناشئة، ثم قامت بتصدير منتجات مطبخ نهائية إلى العالم، فالعملة الأضعف لن يكون لها تأثير مساعد يذكر. فتلك العملة تعزز الصادرات، لكن بعض هذه المكاسب ستعود من حيث جاءت عندما يتعين على إيطاليا سداد أثمان مرتفعة مقابل استيراد المواد الخام.
ومن المفيد أيضا أن نفكر في الجدل الذي أثير مؤخرا في آيسلندا، تلك الدولة التي ربما تتداول العملة الأوروبية الموحدة وتتشبث باليورو قريبا. فبتعداد سكانها البالغ 330 ألف نسمة، تتعامل آيسلندا بحذر مع التدفقات النقدية الخارجية، خوفا من أن تتسبب في صعود وهبوط عملتها العائمة بسهولة. لكن السياحة تعتبر الآن أهم قطاعات الاقتصاد، وتبني آيسلندا لعملة اليورو سيجعل التعامل أسهل لها ولزوارها. ربما يكون اليورو معيباً، لكن يبدو أن آيسلندا وصلت إلى استنتاج أن البدائل ستكون أسوأ من عيوب اليورو.
ما زلت أعتقد أن اليونان ما كان لها أن تدخل منطقة اليورو، وأن إيطاليا لا تزال تمثل مشكلة خطيرة بسبب ديونها وبسبب النمو البطيء ومشكلة تعسر المصارف وعدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها. اليورو ليس السبب الرئيسي لكل تلك المشكلات، لكن في بعض السيناريوهات ربما يتسبب بمشكلات أكبر، خاصة إذا ما هرب اليورو من البنوك الإيطالية ولجأ إلى الدول المجاورة، كما حدث مع اليونان. وهذه المشكلة ليست بالهينة التي يسهل حلها، وأتمنى لو أن أيطاليا ما زالت تتداول عملة الليرة.
لكن الناخبين الفرنسيين أدركوا الأحد الماضي ما ينبغي أن يراه الاقتصاديون أيضا: فربما أن أفضل أيام اليورو لم تأتِ بعد.
*بالاتفاق مع «بلومبيرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة