الإمبراطورية الضرورية والأصل الكارولينغي القديم

الإمبراطورية الضرورية والأصل الكارولينغي القديم

الأحد - 10 شعبان 1438 هـ - 07 مايو 2017 مـ رقم العدد [14040]
روبرت كابلان
كاتب من خدمة «نيويورك تايمز»

جلبت الانتخابات الأخيرة في هولندا وفرنسا وألمانيا كثيراً من الدراما على الأصل الكارولينغي القديم، حيث استطاع شارلمان تأسيس إمبراطوريته الأولى في القرن التاسع الميلادي. ولقد كان هذا الجزء من أوروبا هو الأغنى والأقوى على الدوام. ولكن إن استمرت محاولات إضعاف الاتحاد الأوروبي، فإن آثار هذا الضعف، والأكثر قوة وعمقاً، سوف تلامس أطراف الاتحاد الشرقية والجنوبية من دون شك.
هناك، على طول خط الصدع الواصل بين إمبراطوريات هابسبرغ النمساوية والعثمانية التركية، افتقرت البلدان الشيوعية الغابرة إلى قاعدة الطبقة الوسطى الأوروبية الراسخة، وهي، في غير حالة، لا تزال مشتتة النزعات بين مختلف النزاعات العرقية والإقليمية بعد ربع قرن مضى على حصار سراييفو. وترتكن كذلك إلى الحكومات الموالية إلى الاتحاد الأوروبي كما لم يحدث من قبل.
وهنا في ليوبليانا، عاصمة سلوفينيا، الدولة المحاصرة بين أواسط أوروبا وإقليم البلقان، يتحدث المسؤولون والخبراء حول ما يسمى الحدود الوهمية التي لا تزال تداعب مخيلة الناس. ويطلقون عليها «حصن المسيحية الحصين»، الذي تم الإعلان عنه في عام 1519 من قبل البابا ليو العاشر، في إشارة إلى عرق السلاف من الرومان الكاثوليك الذين يعتبرون خط الدفاع الأول ضد الإمبراطورية العثمانية. كانت كرواتيا هي خط الدفاع الأمامي هناك ضد السلطنة الإسلامية، وكانت سلوفينيا هي خط الدفاع الثاني. ولقد قال لي أحد المسؤولين مؤخراً: «عندما انهار الاتحاد اليوغوسلافي، افترضنا أن هذا التاريخ السابق لم يعد مهماً في شيء. ولكن بعد مرور ربع قرن بعد تفكيك اتحاد تيتو اليوغوسلافي، وجدنا أننا قد عدنا أدراجنا إلى أواخر العصور الوسطى وبدايات التاريخ الحديث».
كان شعب سلوفينيا، الخاضع لحكم أسرة هابسبرغ النمساوية منذ مئات السنين، قد وصل دخل الفرد البالغ فيه إلى 32 ألف دولار في العام. أما شعب الكروات، من واقع تاريخهم الممتزج بأنهم ورثة التقاليد النمساوية الهنغارية من ناحية، وورثة التقاليد العثمانية الفينيسية العتيقة من ناحية أخرى، قد بلغ دخل الفرد البالغ لديهم 22.400 دولار في العام. ولكن بعد ذلك تأتي بقية دول الاتحاد اليوغوسلافي السابق، التي سقطت على نحو تام تقريباً في براثن الإمبراطورية العثمانية البائدة. ولدينا هنا جمهورية الجبل الأسود التي بلغ دخل المواطن البالغ فيها نحو 17 ألف دولار في العام، وصربيا نحو 14 ألف دولار في العام، ومقدونيا، وكوسوفو، والأجزاء العثمانية القديمة من البوسنة والهرسك مع أرقام أدنى من ذلك بكثير. ولا تزال الفروق الاقتصادية والاجتماعية، الموروثة عن الانقسامات الإمبراطورية القديمة، باقية.
وهذا ليس من قبيل الحتميات العرقية أو العنصرية، حيث إن عرق السلاف من جنوب شرقي أوروبا قد صيغت شخصيته السياسية والاقتصادية من واقع التدخلات الإمبريالية الأجنبية بأكثر مما صيغت من واقع روابط الدم واللغة المشتركة. فإن الأجزاء البيزنطية والعثمانية من أوروبا - وهي الأجزاء الأقرب جغرافياً من منطقة الشرق الأوسط - لا تزال هي الأفقر، والأقل استقراراً، والأكثر عوزاً للدعم والإرشاد من بقية أجزاء الاتحاد الأوروبي الأخرى. وسواء بقيت أوروبا قارة آمنة ومزدهرة، أو تشرذمت بين خطوط الصدع والفرقة شرقاً وغرباً - مع السلطويات الروسية والتركية التي تقضم ما تستطيعه من مناطق النفوذ هناك - سوف يتضح دورها البارز الذي تلعبه في إقليم البلقان. وبالتالي، فإن مجريات الأحداث والتطورات السياسية في باريس، وبرلين، وبروكسل، سوف يكون لها أكثر التداعيات أثراً وعمقاً على مختلف الاتجاهات.
ظل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على نشاطه المحموم حيال جميع أجزاء أواسط وشرق أوروبا، ولا سيما في إقليم البلقان، مستخدماً مختلف أشكال الإخضاع، من تفعيل أدوار عصابات الجريمة المنظمة في تمويل الحركات القومية الشعبوية إلى التأثير النافذ على وسائل الإعلام المحلية. ربما تكون جمهورية الجبل الأسود هي الأقرب للانضمام إلى منظمة حلف شمال الأطلسي، ولكنها غالباً ما يُنظر إليها من واقع كونها مستعمرة للفئة الثرية الروسية ودوائر الجريمة المنظمة. وهي التي، وفق بعض التقارير الإخبارية، حاولت روسيا تنفيذ انقلاب فيها على نظام الحكم هناك في العام الماضي. ويُنظر إلى صربيا وبلغاريا على أنهما من الرؤوس الساحلية للنفوذ الإقليمي الروسي، حتى مع أن الحكومات السلطوية الجديدة إلى الشمال في كل من هنغاريا وبولندا تحمل، وعلى نحو متزايد، أمارات التشابه الواضحة مع النظام الروسي الحالي. وينبغي اعتبار الجهود التي بذلتها الحكومة الهنغارية للقضاء على فكرة إنشاء جامعة أوروبا الوسطى، التي أسسها في بودابست الملياردير الأميركي جورج سوروس في أعقاب سقوط حائط برلين، ضمن السياق الجيوسياسي الراهن هناك.
أما بالنسبة إلى تركيا، فتمكن الرئيس رجب طيب إردوغان من تأمين نتائج الاستفتاء الشعبي التي تخول له سلطات وصلاحيات شبه ديكتاتورية خلال الشهر الماضي. وفي اليوم التالي مباشرة، لم يقم بزيارة ضريح مصطفى كمال أتاتورك الأب المؤسس للجمهورية التركية الحديثة، وإنما زار ضريح السلطان العثماني محمد الثاني، المعروف باسم محمد الفاتح، الذي زحفت جيوشه الجرارة في القرن الخامس عشر الميلادي نحو الغرب من القسطنطينية، ووصولاً إلى البوسنة والهرسك. وسواء تعلق الأمر ببلغاريا، أو مقدونيا، أو كوسوفو، أو غير ذلك من الأماكن في المنطقة، فإن السيد إردوغان عاقد العزم على ملء الفراغ الجغرافي الذي خلفه الاتحاد الأوروبي المتدهور. وتعكس حالة انعدام سيادة القانون البادية في مقدونيا، بما في ذلك أحداث العنف داخل برلمان البلاد حول الانتقال الحكومي المتنازع عليه، الهشاشة السياسية الكبيرة المتفشية في جنوب شرقي القارة العتيقة.
وعلى الرغم من ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي هو القادر وحده على تحقيق الاستقرار في إقليم البلقان. ولن يُكتب حل فعلي للنزاع العرقي بين الصرب والألبان ما لم تنجح صربيا وألبانيا وكوسوفو حقاً في الانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي. وفي داخل عضوية الاتحاد الأوروبي، لن تكون هناك حاجة حقيقية لدى ألبانيا وكوسوفو لتوحيد شملهما. ولكن إذا ما حاولتا المسير على درب الوحدة، فسوف تكون ذريعة كافية لشن الحرب من جانب الصرب. وهناك دينامية مماثلة تعترض سبيل المنافسة المستمرة ما بين كرواتيا وصربيا لبسط النفوذ على البوسنة والهرسك. هناك قدر من السلام يمكن أن يشمل جميع بلدان الاتحاد اليوغوسلافي السابق ضمن إطار الاتحاد الأوروبي القائم. ولن يكون أمامهم سوى النزاع المستمر خارج عضوية الاتحاد. وبكل تأكيد، يعرض الاتحاد الأوروبي عالماً من الوضعيات القانونية بدلاً من الدول العرقية المتناحرة، تحكمها القوانين الموضوعية بدلاً من الفرمانات والمراسيم الشخصوية، حيث تكون الحماية والغلبة للفرد على الجماعة.
بعبارة أخرى، صار الاتحاد الأوروبي لهذه الدول بمثابة الإمبراطورية الضرورية.
ولقد استخدمت لفظة «إمبراطورية» عن قصد. لقد كان الاتحاد الأوروبي يمثل المشروع الأكثر طموحاً بالأساس؛ لأنه سعى وراء الوحدة بدلاً من اعتماد مجالات النفوذ الكارولينغية، والبروسية، والهابسبرغية، والبيزنطية، والعثمانية العتيقة، ولكل منها تاريخه المختلف بالكلية وأنماط التنمية والتطور الاقتصادي المتباينة تماماً. وإنجازاً لهذا الهدف، كان على الاتحاد الأوروبي، في واقع الأمر، أن يحل محل الأداء الوظيفي لكل هذه الإمبراطوريات القديمة. وحتى في داخل الحدود المفتوحة لمنطقة الشينغن، التي يُسمح لمواطني الاتحاد بحرية الحركة داخلها، يمثل الاتحاد الأوروبي كتلة من الأراضي مترامية الأطراف، تخضع لدرجة كبيرة من حكم البيروقراطية البعيدة نسبياً والديمقراطية جزئياً، مع الكثير من سكانها الذين يطالبون بنوع أكبر من التمثيل المباشر. أليس هذا شكلاً من أشكال الإمبراطورية المتأخرة والمتدهورة؟
ومع ذلك، فلا بد من المحافظة عليه، ودعمه وتحسينه. كتب جان زيلونكا من كلية سانت أنتوني بجامعة أكسفورد متفائلاً عن «العصور الوسطى الحديثة» في أوروبا، إذ يقول: «إنه التداخل الديناميكي للهويات والسيادات - فوق - الوطنية، والوطنية، والمحلية؛ حيث تتبارى المدن والأقاليم مع الاتحاد الأوروبي دائم التجدد والتغير للحصول على ولاء المواطنين وتأمينه. وما لم يكن هناك اتحاد أوروبي موثوق به، فلن تكون هناك إمكانية لتأمين طبقات الهويات الأخرى من دون نزاع مؤلم.
قمت مؤخراً بزيارة مدينة رييكا الكرواتية الساحلية، وهي أقرب ما تكون من الحدود السلوفينية والإيطالية، حيث أعيد تنصيب النسر مزدوج الرأس أعلى برج الجرس. ولقد أوضح لي الكاتب المحلي الإثني والإيطالي جياكومو سكوتي الأمر، إذ قال إنه «رمز من عصر الهابسبرغ، وليس رمزا كرواتياً أو هنغارياً أو إيطالياً بحال. ولقد أسقطه الفاشيون من قبل، وهو يرمز إلى الحرية المحلية والاستقلال الذاتي الذي حظيت به هذه المدينة تحت حكم أسرة الهابسبرغ». وربما لأن كرواتيا، بالأساس، هي دولة ذات سيادة ضمن إطار الاتحاد الأوروبي، وتعمل جاهدة من أجل الانضمام إلى منطقتي الشينغن واليورو، فإن الظروف تسمح لمثل هذا العرض الفخري من الاعتزاز المحلي الذي لا يمثل تهديداً لأحد.
ومن الحكمة في هذا السياق النظر فيما كانت تقوم عليه يوغوسلافيا في نهاية المطاف. يشير الباحث الإيطالي الفذ من أوروبا الوسطى، كلاوديو ماغريس، في كتابه الملحمي الشهير المعنون «الدانوب»، إلى جوزيف تيتو بأنه آخر أباطرة الهابسبرغ المعروفين، وهو أشبه ما يكون بفرانز جوزيف؛ وذلك لوعيه المتقد بإرثه الدانوبي فوق - الوطني الكبير. وعلى غرار فرانز جوزيف، حكم تيتو يوغوسلافيا ككيان موحد، من خلال مزيج من القمع والإحسان، مقارنة بدول شيوعية أخرى. أما الآن، فإن الدول التي كانت ذات يوم جزءاً لا يتجزأ من الاتحاد اليوغوسلافي لن تجد السلام والأمن إلا من خلال نظام إمبراطوري جديد وحميد يُعرف باسم الاتحاد الأوروبي. ولذا، فإن ما سوف يحدث في قادم الأيام في قلب أوروبا - سواء، على سبيل المثال، انطلقت فرنسا خلف بريطانيا في سعيها المحموم للهرب من ربقة الاتحاد الأوروبي أم لا - هو من الأهمية القصوى لبقية أجزاء وأرجاء القارة العتيقة.


* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة