الشعبوية لم تصل إلى ذروتها في أوروبا

الشعبوية لم تصل إلى ذروتها في أوروبا

الثلاثاء - 5 شعبان 1438 هـ - 02 مايو 2017 مـ رقم العدد [14035]

تحوم السحب القاتمة فوق رؤوس الأوروبيين الذين يؤمنون بقارة متحدة ومتسامحة ومنفتحة. في البداية، جاء تصويت البريطانيين للخروج من الاتحاد الأوروبي في يونيو (حزيران) الماضي، وبعد ذلك جاء انتخاب دونالد ترمب. وبدا القوميون والشعبويون أنصار تيار اليمين كأنهم يسيرون في الركب، فيما وجه محبو أوروبا (اليوروبفيليون) نظرهم للأمام في غضب انتظاراً لسلسلة من الانتخابات المرتقبة عام 2017، وهي الانتخابات التي يمكن لأي منها أن تنذر ببداية تداعي المشروع الأوروبي. قد نتسامح مع هؤلاء الناس لاستمتاعهم بفترة الاسترخاء التي نعيشها بعد عناء.
الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية في 23 أبريل (نيسان) الماضي جعلت المرشح المستقل المؤيد بحماس للاتحاد الأوروبي إيمانويل ماكرون، يتقدم على مارين لوبان، مرشحة اليمين المتطرف. وتظهر المؤشرات بمراكز الاقتراع الآن أن ماكرون بات قريباً من الفوز على منافسته لوبان في الجولة الثانية المقررة الأحد المقبل.
أجريت هذه الانتخابات بعد مثيلتها في هولندا في مارس (آذار) الماضي التي جاءت فيها نتيجة المرشح المعادي للإسلام والمتشكك في جدوى الوحدة الأوروبية، غيرت فيلدرز، أسوأ من المتوقع. وفي النمسا، خسر مرشح اليسار المتطرف، نوربرت هوفر، الانتخابات الرئاسية بفارق ضئيل أمام منافسه أليكساندر فان دير بيلين، الزعيم السابق لحزب الخضر.
وفي ضوء كل ما سبق، يزعم كثيرون الآن أن سياسة أحزاب اليمين الشعبوية بلغت الذروة وأن الاتحاد الأوروبي قاد تراجع عن تحطيم ذاته. لكن رغم أن هناك كثيراً من الدروس الإيجابية التي نستطيع الخروج بها من الانتخابات الأخيرة، فإن التباهي بالانتصارات التي تؤدي إلى الرضا عن الذات ستكون عواقبها خطيرة وفي غير موضعها.
هناك من الناس من صعد إلى الذروة، لكنه سرعان ما بدأ في الذبول، وللآن لا يزال تيار اليمين المتطرف مسيطراً، فالجبهة الوطنية التي تنتمي إليها السيدة لوبان تمكنت من إضافة 1.2 مليون صوت لنتائج الجولة الأولى للانتخابات التي خاضتها عام 2012. وحزب الحرية الذي ينتمي إليه فيلدرز يحوز الآن 20 مقعداً في البرلمان الهولندي، مقارنة بخمسة مقاعد في برلمان عام 2012. والمرشح السابق لحزب «هوفر» حصل على أصوات نحو 15 في المائة من الناخبين في الانتخابات الرئاسية عام 2010. فيما حصل حزب «هوفر» على غالبية الأصوات في الجولة الأولى، وحصل على 46 في المائة من الأصوات في جولة الإعادة.
في الحقيقة، فإن نفوذ اليمين المتطرف يتجاوز حدود مراكز الاقتراع. واللغة الازدرائية التي لم يكن أحد يستسيغها في اتحاد شكلته خبرات الأبناء خلال الحرب العالمية الثانية، باتت سائدة الآن. وثاني أكبر الأحزاب في هولندا يقوده رجل أطلق على ذوي الأصول المغربية نعت «سكام»، وتعني «حثالة»، وباتت الاعتداءات التي يشنها متطرفو التيار اليميني في تصاعد مستمر.
في ألمانيا العام الماضي، بلغ متوسط الاعتداءات الناجمة عن الكراهية 10 جرائم يومياً، وجميعها تستهدف المهاجرين واللاجئين. والمحافظون في جميع أنحاء القارة باتوا يتحركون تحت حراسة الشرطة بسبب التهديدات التي يتلقونها من اليمين المتطرف. (وأي شخص ما زالت تساوره أوهام قيم حقوق الإنسان والتسامح وأن كرامة الجميع مصانة بمقتضي حقوق الإنسان في أوروبا، ما عليه إلا زيارة المعسكرات في اليونان حيث يعيش نحو 62 ألف لاجئ في فخاخ وفي ظروف بائسة).
لكن لا يزال هناك مجال للابتهاج لمن يرون أن أوروبا ستكون أكثر أمنا ورخاء لو أن الدول عملت معاً، وتركت أبوابها مفتوحة على العالم، بدلاً من العودة للوطنية الضيقة والانعزالية. وهناك دروس يمكننا أن نتعلم منها، فأكبر الفائزين هم هؤلاء القادة الذين آمنوا بقيم الاتحاد الأوروبي التحررية بنفس قوة العاطفة والمشاعر التي يتحلى بها القوميون.
وفي الوقت نفسه، فإن التيار السائد في الأحزاب التقليدية التي استجابت وحولت خطابها صوب اليمين حقق نجاحا أقل.
وفي هولندا، حزب «الأخضر» اليساري الذي يقوده الشخصية الكاريزماتية جنسي كليفر، آمن بصورة علنية بتقاليد التسامح والتنوع الهولندية بالحماسة نفسها التي أبدى بها فيلدرز كراهيته للمسلمين.
ونتيجة لذلك، ارتفع عدد المقاعد في البرلمان من 4 مقاعد إلى 14 مقعدا، وحزب رئيس الوزراء الحالي مارك روت، على الجانب الآخر، فقد 8 مقاعد بعد محاولة اللحظات الأخيرة لاستقطاب ناخبي فيلدرز بتوجيه خطاب مفتوح قال فيه إن المهاجرين غير الراغبين في الاندماج في المجتمع عليهم مغادرة البلاد.
وفي فرنسا، سار ماكرون على نهج السيدة لوبان في تشككها عالي الصوت في جدوى الاتحاد الأوروبي وفي لغاتها المناوئة للاجئين، وفي الوقت نفسه ومن دون استحياء، أظهر عاطفة تجاه وحدة القارة والتعددية الثقافية، فقد امتدح المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي قال عنها إنها «أنقذت كرامة الأوروبيين جميعاً» عندما فتحت أبواب بلادها أمام جموع اللاجئين الفارين من بلادهم. وفي حديثه عن الاتحاد الأوروبي، قال ماكرون علانية: «نحن أوروبا، نحت بروكسل»، ويبدو أن هذه اللغة ستؤتي ثمارها عندما يعود الناخبون إلى مراكز الاقتراع الأحد المقبل.
مثل هذه اللغة كانت غائبة تماماً خلال حملة «البقاء» في الاتحاد الأوروبي قبل استفتاء «بريكست» للخروج منه، حيث استشعر القادة الخجل من إبداء ذلك الدعم العاطفي للاتحاد الأوروبي، وبدلا من ذلك حاولوا تبيان مواقفهم باستخدام الحقائق والأرقام.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة