الخبازة والرجل المطلاق

الخبازة والرجل المطلاق

الثلاثاء - 15 رجب 1438 هـ - 11 أبريل 2017 مـ رقم العدد [14014]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
نعم، مثلما يوجد رجل مزواج، يوجد رجل مطلاق. الأول لا ينفك عن الزواج ثانية وثالثة وعاشرة، والرجل المطلاق هو الرجل الذي لا يتزوج إلا ليطلق ثانية وثالثة وعاشرة. كان في ديرتنا بالأعظمية، في بغداد، مثل هذا الرجل. تعددت طلاقاته حتى ملت المحاكم منه، ناهيك بتضايق النساء من أفعاله. أخيراً، سمعت به المرأة الخبازة في ديرتنا، فقالت: «هاتوني به». وتقدم هو لخطبتها، ثم الزواج بها على سنة الله ورسوله. لم تمض غير أيام قليلة حتى راح القوم يلقبونه بزوج الخبازة.
في اليوم التالي من العرس، طلبت منه أن يذهب لمخزن الحبوب والتمور، ويأتي بكيس حنطة وزنه مائة كيلوغرام، عانى ما عانى من حمله والوصول به إلى مخبزها. قالت: «حسناً فعلت، شاطر والله». والآن، عليك أن تحمله إلى المطحنة، ماكينة الطحين. هب للواجب؛ حمله إلى رأس الجسر، حيث وجد القوم مزدحمين لطحن محاصيلهم. انتظر حتى جاء دوره، ونفذ واجبه. دفع خمسين فلساً أجرة الطحن، وعاد بكيس الطحين إلى مخبز «عايشة»، وهذا كان اسم الخبازة التي تزوج بها. «يا الله، حبيبي، اعجن الطحين قبل ما ينتهي النهار».
«خليني آخذ نفس، واستريح دقيقة» قال، وردت عليه بغضب: «تستريح وتترك كل هالناس ينتظرون الخبز؟».
لم يجد مخلصاً غير أن يأتي بطنجرة الماء، ويبدأ بعجن الطحين. «أوف يا ربي!» قال في أسى وألم، ولكن لم يعد بيده غير أن يباشر هذا العمل، ويعد العجين لامرأته الخبازة. لم يفرغ من ذلك حتى وجد أن عليه الآن أن يأتي بالحطب، ويشعل النار في التنور ليجعله جاهزاً للخبز.
وكان النهار قد أوشك على الانصرام وحلول المساء. جمعت ما خبزت من الأرغفة، وضعتها في سلة كبيرة، والتفتت لزوجها: «مالك واقف مثل الصنم؟ الناس في السوق ينتظرون الخبز. يا الله، خذ السلة وامش. إذا ما تعرف، سعر الرغيف بعشرة فلوس» قالت وتمطت بقامتها الطويلة، وألقت بنفسها على السرير، وهجعت لتستريح. لم يجد جواباً لأمرها؛ حمل سلة الخبز على رأسه وانصرف بوجه عابس حائر. باع أرغفة الخبز وعاد بالفلوس ليعدها لها. ما شاء الله! مضبوط.
اكتشف في اليوم التالي أن عليه أن يستيقظ مبكراً قبل طلوع الشمس. هكذا، أيقظته ليباشر بالروتين المزدحم بالمسؤوليات نفسه: «خذ كيس الحنطة من المخزن العلوي. اذهب به للمطحنة. اعجن الطحين. واشعل التنور و... و...».
افتقده أصحابه في المقهى: «وينك يا أبو حميد؟»؛ أفهمهم بهذا المصير الذي انتهى إليه. «وعلى إيش؟ إنت رجل مطلاق؛ الحقها باللي سبقوها».
«وكيف أطلقها؟ هي تاركت لي وقت أروح للقاضي حتى أطلقها؟ حنطة وطحين وعجين وخبز وبيع خبز! وحساب الفلوس. وين أشوف وقت حتى أطلقها؟». ضحك القوم، وراحوا يطلقون مثله على كل من شغلته الدنيا بالتزاماتها ومشكلاتها.
«يا أبو الشباب، إنت صاير مثل زوج الخبازة! من شي إلى شي»!

التعليقات

أحمد النجار
البلد: 
السويد
11/04/2017 - 16:55

شكرا لك استاذ خالد على هذه الاستراحة الممتعة، والحقيقة اننا جميعا في هذا الزمان ينطبق علينا هذا المثل، كلنا زوج الخبازة، فسرعة ايقاع الحياة التي نعيشها، وتشعب التزاماتها هي الخبازة بعينها، لانها لا تترك لنا فسحة لالتقاط انفاسنا واعادة ترتيب اوراقنا، او ممارسة ما نحب من هواياتنا التي من بينها ممارسة هواية الكسل في بعض الاحيان!! شكرا لك ودمت بخير.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة