روبرت غبيلوف
كاتب من خدمة خدمة «واشنطن بوست»
TT

ما مدى تحيز العلم حقا؟

يجري الباحثون مؤخراً الكثير من الأبحاث الخاصة بالذات وبنقدها. في ظل تزايد التدقيق على عالم نشر الأوراق الأكاديمية، تبلور خطاب يفيد بأن العالم الأكاديمي قد اختل وبحاجة إلى إصلاح. طالما كانت المزاعم الخاصة بانتشار التحيز في النشر من الأمور التي يتم النظر فيها، واستكشافها على مدى السنوات الماضية؛ وهناك كمّ هائل من الأعمال التي تشير إلى أن الدوريات الأكاديمية تقدم حوافز معاكسة لنشر أوراق تتضمن نتائج مثيرة للاهتمام أو مخالفة للبديهيات، وترك الأبحاث الأقل إثارة في خزانات الجامعات. وكثيراً ما يشعر المنتقدون بالقلق من أن يؤدي ذلك إلى المبالغة في أو تشويه الأدلة المتاحة لتغذية النقاشات العلمية.
مع ذلك تشير ورقة بحثية جديدة من جامعة ستانفورد إلى احتمال تقوض هذا الخطاب؛ فالدراسة التي تم نشرها الأسبوع الماضي في دورية «بروسيدينغز أوف ناشيونال أكاديمي أوف ساينسيز» قد تكون هي المراجعة الأكثر شمولاً للبحث الخاص بهذا الموضوع حتى يومنا هذا. قام مؤلفو الدراسة على مدى السنوات الثلاث الماضية بمصاحبة فريق بحث ضخم بفحص ما يزيد على ثلاثة آلاف ورقة بحثية تتناول مسائل التحيز في النشر، وتغطي 22 مبحثاً علمياً.
ماذا كان الاستنتاج؟ إن الأدلة على وجود تحيز واسع النطاق في النشر غامضة وضبابية؛ حيث يمكن تفسير نحو 27 في المائة من آثار التحيز، التي تم رصدها في الأوراق التي تمت مراجعتها، بالقول إن التحليل الشمولي، وهو البحث عن البحث، كثيراً ما يتضمن عينات صغيرة، مما يجعل من السهل العثور على نتائج ملحوظة من الناحية الإحصائية.
إلى جانب ذلك، تتسم الكثير من الأدلة ذاتها على وجود تحيز في النشر بالتحيز. كثيراً ما تنشر الدوريات، التي يقوم بمراجعتها الأقران، أوراقاً بحثية تشير إلى وجود مشكلات كبيرة تتعلق بالتحيز أكثر مما تجد آثاراً ونتائج أكثر اعتدالاً بحسب ما كشف فريق ستانفورد. يميل الباحثون كثيراً إلى الاقتباس من تلك الأوراق أيضاً.
بيت القصيد ليس في عدم وجود التحيز في النشر، بل في عدم تأكدنا من مدى حجم المشكلة. في الواقع نحن على الأرجح نبالغ كثيراً في حجم التحيز في العالم الأكاديمي بسبب العيوب ذاتها الموجودة في مجال البحث والتي تؤدي إلى التحيز في المقام الأول.
هل هناك مجالات محددة يكون فيها التحيز فاضحاً وسافراً بوجه خاص؟ لم يخض باحثو ستانفورد كثيراً في التفاصيل الخاصة بهذه المسألة في ورقتهم البحثية، لكن دانييل فانيلي، وهو باحث علمي بارز في جامعة ستانفورد، والمؤلف الرئيسي لهذه الدراسة، قال إن التحيز الراسخ يظهر تحديداً حيث تتوقعه. وأوضح قائلاً: «يبدو أن الكثير من وقائع التحيز تزداد مع الانتقال من العلوم الفيزيائية إلى العلوم الاجتماعية».
بعبارة أخرى، هناك على الأرجح تحيز في علم النفس، وعلم الاقتصاد، وعلم الاجتماع أكبر من ذلك الموجود في علم الكيمياء أو علم الأحياء الجزيئي. بالنسبة إلى الأشخاص المتابعين للأبحاث الأكاديمية بانتظام، قد لا يمثل ذلك مفاجأة، فالجانب الاجتماعي في الساحة العلمية يدفع نحو نشر أبحاث مشكوك في صحتها، حتى في أكثر الدوريات العلمية احتراماً.
مع ذلك هناك ما يدعو إلى التفاؤل؛ وهو طرح عدد من الاقتراحات الابتكارية واختبارها في عالم الأبحاث؛ وهدفها هو محاولة التغلب على هذا التحيز مثل تشارك المعلومات وتبادلها، والمراجعة بين الأقران «دون نتائج». وفي الوقت الذي قد لا تصلح فيه بعض الأفكار لكل المجالات، سنفكر على الأقل فيما إذا كانت مبادئ البحث المنضبطة المستعارة من مجال العلوم الفيزيائية يمكن أن تساعد مجال علم الاجتماع، وعلم الاقتصاد.
على سبيل المثال، معهد «أميركان إنتربرايز» أعلن مؤخراً عن تسجيله مسبقاً لكيفية تحليله للبيانات الخاصة بالحد الأدنى للأجور، وهو ما يبدو فكرة جيدة يمكن أن تنظر المؤسسات البحثية في تطبيقها على الموضوعات المثيرة للجدل بشكل عام.
يقول فانيلي: «نحن على مشارف ثورة»، مضيفًا أن تكنولوجيا الحوسبة الحديثة ستيسر على الباحثين إدراك عيوبهم، وأوجه نقصهم، وإدراك أن الدفع باتجاه قدر أكبر من الشفافية في مجال البحث العلمي قد يكون حافزاً لإيجاد حلول. وأوضح قائلاً: «إن هذا سوف يتيح أمام العلم المزيد من الاحتمالات الجديدة... نحن نريد أن نكون قادرين على تشارك المعلومات العلمية على نحو لم يكن متاحاً منذ سنوات قليلة».
يتعرض المجال الأكاديمي للكثير من الانتقادات في المجال العام، وكثيراً ما تكون تلك الانتقادات صحيحة، لكن لا يمكن للمرء القول إنه لا يتم بذل جهود مكثفة لتحليل، وتناول، ومعالجة الأمور الخاصة بالتحيز.
* خدمة «واشنطن بوست»