الإصلاح ليس علاجًا لكل شيء

الإصلاح ليس علاجًا لكل شيء

الأربعاء - 18 جمادى الأولى 1438 هـ - 15 فبراير 2017 مـ رقم العدد [13959]
بعد مرور ما يقرب من عشر سنوات على الأزمة المالية العالمية، لا يزال التعافي الاقتصادي مخيبا للآمال وليس هناك شيء يبدو أنه يساعد في تغيير الأوضاع – لا التحفيز المالي الهائل، ولا تدني المعدلات بشكل قياسي، ولا الضخ السخي من السيولة المالية من جانب البنوك المركزية. وهناك شبه اتفاق بين جموع صناع السياسات في واشنطن إلى لندن وحتى طوكيو على أنه هناك إجابة واحدة باقية: الإصلاح الهيكلي. وفي كل مكان يكثر الكلام عن تعديل قوانين الضرائب، ومراجعة الأنظمة واللوائح، وإحياء السياسات الصناعية.
ومن غير المرجح لأي من ذلك أن يرجع بنتائج جيدة.
كانت موجة الإصلاحات المثيرة للإعجاب في ثمانينات القرن الماضي قد نجحت في تجديد الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا وتحويلها من الاقتصادات المختلطة إلى الاقتصادات القائمة على حركة الأسواق. ويتفق خبراء الاقتصاد على أن شيئا مماثلا نحن في أمس الحاجة إليه الآن: الإصلاحات التي تسهل من تعيين وفصل الموظفين في الهند، وزيادة عدد النساء في القوة العاملة في اليابان، وخفض اللوائح والقوانين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وتقليل الدعم الموجه للشركات المملوكة للحكومة الصينية، والاستثمار في مشاريع البنية التحتية في كل مكان تقريبا.
بكل بساطة، إن تكرار النجاحات التي أحزرها كل من رونالد ريغان ومارغريت ثاتشر لن يكون بسيطا أو ممكنا. وذلك لسبب وحيد، وهو أن الخلفية قد أصبحت مغايرة تماما اليوم. فلقد كانت الحكومات وقتذاك تتمتع بظروف أكثر مواتاة من حيث الاقتصاد الكلي، بما في ذلك معدلات النمو المرتفعة وانخفاض الديون. كما كانت هناك مستويات أكبر بكثير من التنظيم واللوائح والملكية الحكومية التي كانوا يعتمدون عليها. وكل هذه الثمار الدانية القريبة قد التقطت اليوم بأكملها.
وفي نفس الوقت، ليس من اليسير الآن تنفيذ سياسات الإصلاح الهيكلي الحقيقية على أرض الواقع. فلا تزال مقاومة البيروقراطية على أشدها كما كانت من قبل من حيث تبسيط القواعد واللوائح. ولا تزال الصناعات تخشى كثيرا التعرض للمنافسة المفتوحة. وأي محاولة لتقليص شبكات الأمان الاجتماعي أو تقليل حماية المستهلك أو حماية البيئة سوف تثير موجات عارمة من الاحتجاجات.
وفوائد مثل هذه التدابير لا تزال غير يقينية ولا بد من توخي الحذر بشأنها وقياسها على مدى فترات مطولة من الزمن. وعلى النقيض من ذلك، فإن التكاليف المتكبدة فورية وعاجلة وملموسة. حيث يمكن للأجور وظروف العمل في الصناعات التي تواجه المنافسة المفتوحة أن تتغير أو تنخفض بصورة كبيرة. وتكاليف إعادة الهيكلة في أغلب الأحيان يتحملها العمال من ذوي المهارات المتواضعة، وغيرهم من الفئات الضعيفة الأخرى، بينما تلتهم المكاسب الفئات الصغيرة نسبيا من العمال المهرة والمديرين. والبيئة السياسية الحالية غير بناءة ولا مواتية بصورة كبيرة لمواجهة مثل هذه المفاضلات.
كما أن الكثير من محاولات الإصلاح التي نوقشت تحمل الكثير من الأهداف المتضاربة والمتنافرة كذلك. فجهود تعزيز التجارة الحرة وحرية حركة العمالة تصطدم بالمخاوف المتزايدة حول القومية وأمن الحدود. ومن شأن القيود المفروضة على الاستيراد والإعانات المقدمة إلى الصناعات من شأنها تقليل الكفاءة وارتفاع التكاليف. والسجالات الآيديولوجية العميقة حول دور وحجم الحكومات وفعالية الأسواق، بدلا من الاعتبارات البراغماتية، باتت تهيمن على دوائر النقاش والحوار. وهي مشكلة أكيدة عندما يتعلق الأمر بالتنفيذ الذي يستلزم التنسيق المشترك بين الحكومات الوطنية، والإقليمية، والمحلية – والتي يجري انتخاب كل منها بشكل منفصل.
وكل ذلك ونحن نتحدث عن البيئة المحيطة بنا. ولكي تتمتع الإصلاحات بالفعالية، فلا بد من تنسيقها عبر المجال العالمي ككل. الانفتاح على السلع الأجنبية قد يؤثر سلبا على الميزان التجاري إذا لم يرد الشركاء التجاريون بالمثل. ورفع الضوابط على الاستثمار قد يعرض الاقتصادات الصغيرة إلى زعزعة الاستقرار في تدفقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل. وتعويم العملات المحلية، عندما يستطيع المنافسون الكبار التأثير على معدلات صرف العملات الأجنبية، سوف يؤدي إلى تدهور القدرة على المنافسة في مختلف القطاعات. وتخفيض الضرائب المفروضة على الشركات قد يثير سباق إلحاق الأضرار على كافة المستويات بين المتنافسين.
وبالنظر إلى التحول الحالي نحو البراغماتية وحروب العملات، فإن أي نوع من التعاون لن يكون قريب المنال. والحقيقة مفادها، في عالم نسبي، هو أنه من غير الممكن بكل بساطة للجميع الحصول على الميزات الحاسمة الناجمة عن التغييرات الهيكلية. وليس بمقدور كل دولة التحول إلى المنتجات ذات القيمة المرتفعة، وأن تصبح من القوة المهيمنة في صناعات الخدمات أو أن تصبح زعيما في المنتجات المتقدمة من الناحية التكنولوجية.
وأخيرا، حتى وإن تمكن صناع السياسات من اجتياز كافة هذه العقبات بطريقة أو بأخرى، فسوف يستمر هدفهم لأن يكون في الاتجاه الخاطئ. فالإصلاحات الهيكلية مصممة لتحسين جانب العرض في الاقتصاد من خلال زيادة الكفاءة والإنتاجية. ولكن في العالم الذي يعاني من الإفراط في الكثير من القطاعات، فإن العرض ليس هو المشكلة: بل إن المشكلة تكمن في الطلب الضعيف. وتلك هي وظيفة الكثير من القطاعات – الأجور الراكدة في الكثير منها، والديون، والتركيبة السكانية الراهنة، وعدم اليقين بشأن المستقبل – وكلها من المشاكل التي يصعب حلها.
ومن التجارب الأكثر شجاعة في الإصلاح الهيكلي ربما كانت تجربة نيوزيلندا تحت ولاية حكومة يسار الوسط في عام 1984. حيث أدت «اقتصاديات روجر» (نسبة إلى وزير مالية وقتذاك روجر دوغلاس) إلى زيادة الإنفاق وتخفيض الضرائب، وبيع الأصول المملوكة للدولة، وتخفيضات في الدعم، والرسوم الجمركية، ورفع القيود عن الصناعات. وكانت هناك خطط لمعدلات الضرائب الثابتة، أو معدلات الضرائب المنخفضة. وبعد موجة من انهيار الأعمال وانهيار البنوك، برغم ذلك، تم التخلي بالكامل عن البرنامج. ورفض الشعب تأييد الحكومة في صناديق الاقتراع، واستغرق الأمر أكثر من عشر سنوات لعودتها إلى السلطة. ومن غير المتوقع لدعاة الإصلاح اليوم أن يحرزوا نتائج أفضل من ذلك بقليل أو كثير.
* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة