انتهى زمن الفصائل

انتهى زمن الفصائل

الأحد - 2 جمادى الأولى 1438 هـ - 29 يناير 2017 مـ رقم العدد [13942]
محمد سرميني
كاتب سوري معارض

تدفع الهزيمة القاسية التي ألمت بالمعارضة المسلحة في مدينة حلب وما تلاها من وقف إطلاق النار فمؤتمر آستانة فهجوم جبهة فتح الشام على بعض فصائل الجيش الحر، نحو إجراء مراجعة جذرية شاملة لكافة جوانب العمل الثوري وفي مقدمتها السياسي والعسكري، إذ غالبًا ما تسفر التراجعات العسكرية المريرة والاقتتالات البينية عن صدمات نفسية قد تذهب بأصحابها بعيدًا في طرح الأسئلة الكبرى إلى حد التشكيك في شرعية الثورة ونبل أهدافها، ويبدأ انتصار العدو بالعادة عند هذا المستوى؛ مستوى إعادة النظر بالكليات التي قامت على أساسها الثورة. لكن الإيمان الحقيقي والمتّقد بمشروعية الانتفاضة وحقها في الدفاع عن نفسها يوجب علينا ألا ننساق إلى غياهب التشكيك والإحباط وإنما إلى العمل الجاد والسعي الدؤوب لأجل تقويم المسيرة وتجاوز الخلل وصولاً إلى تحقيق الأهداف التي انطلقت لأجلها الثورة.
لا يمكن بحال التهوين من شأن ما حصل، ذلك أن خسارة كامل مدينة حلب برمزيتها الكبيرة واستمرار الفصائل على حالة التشرذم واقتتالها الأخير يعد انتكاسة كبرى على درب حرب التحرير الجارية، فالمدينة التي خسر النظام سيطرته على نصفها الشرقي في يوليو (تموز) 2012 استردها كاملاً بعد أربع سنوات ونصف، والاندماج بين الفصائل العسكرية ما زال بعيد المنال، والاحتراب الجاري منذ أيام يسيء إلى سمعة الثورة ويضعف حرارة الإيمان بها ويهدد سلامة الجبهة العسكرية الأهم.
يمكن قول الكثير عن خذلان أصدقاء الشعب السوري وخلافاتهم وضعف أدائهم وتنافر أجنداتهم والتزامهم الحرفي بتعليمات إدارة أوباما لدرجة عجزهم طوال خمس سنوات عن تزويد الثوار السوريين بمضادات طيران تحفظ أرواح السكان وتحول دون تهجيرهم، وبوسعنا الاستفاضة أكثر فأكثر عن تقاعس المنظمات الدولية عن أداء واجباتها في حماية المدنيين وإيقاف سلسلة المجازر المتنقلة التي يرتكبها النظام، وعن انكفاء أوروبا على نفسها وانطفاء بريقها جرّاء افتقارها لحسّ المبادرة والتزامها بسياسات الولايات المتحدة، وعن ضخامة الحشد المعادي للثورة وتسلحه بأحدث أنواع الأسلحة وأشدها فتكًا وانسجام أطرافه وتوفّره على مواردَ بشرية ومالية تكاد لا تنضب.
لكن إلى جانب هذه الظروف الموضوعية الخارجة عن إرادة الجانب الثوري، كان ثمة على الدوام الكثير من العيوب والأمراض الداخلية وأوجه القصور الذاتية داخل الصف المعارض والتي أوصلت الثورة إلى هذه الحال المأساوية.
تقع الفصائلية في طليعة الأسباب التي أعاقت - ولا تزال - الوصول إلى وضعية كسر حقيقي ورادع للآلة العسكرية الأسدية، فإضافة للتشرذم الذي أدى إلى تشتت وضياع القوى الثورية نجم عن الفصائلية عدة سلبيات أخرى لا تقل ضررًا؛ منها مثلاً ضيق الأفق السياسي للمكاتب السياسية الخاصة بالفصائل وغياب الوعي بخصوصية الحالة السورية وفقدان القدرة على استثمار المستجدات واستغلال الثغرات، وهي إحدى نتائج الشللية الفصائلية التي لا تفسح المجال أمام تكامل الدورين السياسي والعسكري، نظرًا لما تحتويه من عيوب المناكفة والتنافس وفوضى البيانات وحب التصدّر وأحيانًا الاقتتال. فضلاً عن ذلك، دفع التمترس والتحزب إلى تقديم الفصيل مصلحته الصغرى على المصلحة العامة وإلى تكريس الخلاف الآيديولوجي بين الفصائل وانشغالها بالنظرية على حساب الواقع، تمييزًا لنفسها عن البقية. ولقد تجلت الفصائلية في الحالة السورية بوضع مرضي غير مسبوق يظهر في طفرة الكتائب وتوالد الانشقاقات وكثرة الخلافات والاحترابات الجانبية التي أضاعت البوصلة وأفسحت المجال أمام النظام للتمدد والتوسع وقضم الأراضي المحررة رويدًا رويدًا، ناهيك عما تسببت به هذه المعارك الجانبية من نفور الحاضنة الشعبية وإنهاكها وشعورها بالخيبة.
وكان للفجوة بين الواجهات السياسية للثورة مثل الائتلاف والمجلس الوطني والحكومة المؤقتة من جهة والفصائل العسكرية من جهة ثانية، دوره الكبير أيضًا في ضعف تمثيل الثورة أمام المحافل الدولية، لا سيما أن الفجوة اتسعت بين الطرفين في بعض الأحيان لتصل حد العداء والتشكيك وحتى التكفير. فكان أن انعدمت الثقة بين الطرفين وبدت الثورة في أعين العالم موزعة ما بين عسكريين متحكمين بالأرض وسياسيين بالخارج لا يملكون القدرة على توجيه البندقية بما يخدم السياسة.
والآن، وبعد التراجع الأخير في حلب واندلاع المواجهات بين الفصائل بات لزامًا على الجميع، سياسيين وعسكريين، إنهاء الحالة التي تسببت بكل هذه الأذية للثورة، فلقد آن الأوان لوضع حد للفصائلية المدمرة والانتقال إلى مرحلة الانضباطية العسكرية وحصرية التشكيل وواحدية القيادة، فمعارك التحرير لا تخاض إلا وفق استراتيجية موحدة وعمل حربي مخطط وفي خدمة السياسة، كما أن المجتمع الدولي لا يمكن أن يقبل بطرف عسكري مشتت القوى ومضطرب الرؤية وغير موحد الرأس، خصوصًا أنه يرى في الطرف المقابل حدًا أدنى من الانسجام المطلوب بين مكوناته وعنوانًا واحدًا يمكن مخاطبته.
إزاء هذا الواقع لا مناص أمام قوى الثورة العسكرية - إنْ أرادت لنفسها البقاء فضلاً عن الانتصار - من أن تنصهر في بوتقة جيش وطني واحد يرفع علم الثورة ويتبنى أجندة الثورة وأهدافها، ويدافع عن وجودها وحضورها في كافة المحافل وينافح عنها، ويفرضها رقمًا صعبًا لا يمكن تجاوزه في المداولات الدولية، ولا بديل أمام هذا الجسم العسكري الواحد من اعتماد واجهة سياسية كفؤة وصبورة وفاعلة وذات خبرة دبلوماسية تستثمر النصر العسكري وتحوله إلى مكسب على طاولة المفاوضات وورقة ضغط لرفع السقف السياسي وتطرح برنامجًا مستمدًا من أهداف الثورة ومُطَمْئِنًا للمجتمع الدولي والإقليمي وتقدم سوريا المستقبل كدولة مساهِمة في الأمن والاستقرار العالميين.
إن ما شهدته الأيام الأخيرة من اعتداء جبهة فتح الشام على بعض الفصائل سينجم عنه مشهد جديد في الشمال السوري، تقتصر قواه الرئيسة على ثلاث ركائز أساسية وهي جبهة فتح الشام وحركة أحرار الشام وحركة نور الدين الزنكي، وهو واقع يقترب خطوة إلى الأمام - رغم إقرارنا ببغي فتح الشام - من توحيد الجبهة الشمالية. لكنه بالمقابل واقع يحوي في داخله بذور انفجاره نظرًا لكونه قد ارتسم تحت إكراه البندقية ولكونه قد بلْوَرَ لوحة يُتَّهَمُ أحدُ أركانها بالإرهاب، الأمر الذي يتطلب منا توسيع الخيال السياسي وابتكار طرائق جديدة وواقعية وإيجاد مقاربات منطقية للتعاطي مع هذا الوضع العصيب الطارئ بهدف احتواء شروره ومحاصرة تداعياته وتقليص سلبياته والحيلولة دون انفجاره وانعكاسه بمزيد من الضرر على الساحة.
تقفُ الثورة اليومَ أمامَ مفترق طرق يفرض عليها تصويب سلوكها وترشيد أدائها وتعديل طرائق عملها وتصحيح قراءتها وإعادة ترتيب أولوياتها وإبداء أقصى ما بوسعها من إيثار ووطنية وغَيْريّة لأجل تحقيق الحد الأدنى من أهداف الثورة التي باتت - ولأول مرة منذ انطلاق شرارتها في مارس (آذار) 2011 - في وضع خطير يخشى معه من الضياع والاندثار.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو