دروس أوروبية من مسرحية موسيقية أميركية

دروس أوروبية من مسرحية موسيقية أميركية

الجمعة - 8 شهر ربيع الثاني 1438 هـ - 06 يناير 2017 مـ رقم العدد [13919]
محمد العريان
أقتصادي مصري- أمريكي

إذا لم تكن قد شاهدت مسرحية «عزيزي إيفان هانسين»، وهي مسرحية موسيقية مذهلة تعرض في برودواي، فينبغي أن تخطط لحضورها. يتمتع العرض المسرحي بكافة العناصر، من روعة التمثيل، والإخراج، والموسيقى، والحبكة الدرامية، والغناء، والأداء المسرحي، التي تم توظيفها جميعًا لصالح قصة موجهة إلينا جميعًا من عدة أوجه، ومن السهل إيجاد ما يربطنا بها. ولعلها تتمتع بقدر كبير من الأهمية بالنسبة إلى صنّاع السياسة خاصة من التكنوقراط المخلصين في البنك المركزي الأوروبي.
تتمحور الحبكة الدرامية حول شخص غريب يتورط في كذبة يزداد حجمها شيئًا فشيئًا بمرور الوقت، وفي هذه الأثناء، يتورط المزيد من الأشخاص بها. ووقود ذلك الزيف دائمًا هو ما يبعثه من شعور بالارتياح والمشاركة. إنها تحول المجتمع إلى مجتمع أفضل، وتوفر المأوى والدعم لكل الأفراد المقربين من الشخصية الرئيسية إيفان هانسين، أو حتى للذين تربطهم به صلة ضعيفة.
قصة المسرحية قصة مجتمع، وخلاص، وأمل، وغموض، تتسم بالثراء، حيث يتحول إيفان هانسين من شخص غريب مجهول ومهمش إلى قائد حركة ملهم.
لن أكشف عن المزيد من التفاصيل حتى لا أفسد عليكم المشاهدة؛ لذا يكفي القول إن كذبة شخص مراهق لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، وعندما تنكشف، تتخذ الأحداث منحى آخر رائعًا، حين تدرك الشخصيات الرئيسية الأخرى أن خلاصها غير ممكن في عالم رسمه لها إيفان هانسين.
المسرحية تضحك الجمهور كما تبكيه، لكنها أيضًا تجعله يتأمل ماضيه، وحاضره، ومستقبله.
وقد وجدت أفكاري تتحول باتجاه عالم البنك المركزي، وخاصة البنك المركزي الأوروبي. مثل إيفان هانسين، تغير حال البنك المركزي الأوروبي، عن غير قصد، من غريب مجهول نسبيًا إلى قائد لحركة الشعور الإيجابي. بسبب أفعال البنك المركزي، تحول وضع الكثيرين في منطقة اليورو من أشخاص غير مستقرين ماليًا، إن لم يكونوا مذعورين، إلى أشخاص استعادوا هدوءهم، وأملهم في المستقبل.
وكذلك مثل إيفان هانسين، تورط البنك المركزي الأوروبي مصادفة في هذا الدور، وما يتضمنه من سلطة، حيث تنامى نفوذه وانخراطه كثيرًا، بحيث تجاوز حدود ما يمكن أن يصل إليه خياله. وفي كل مرة كان يأمل فيها أن يخرج من هذا الوضع، ينغمس أكثر، مع تزايد عدد الأشخاص الذين يعتمدون عليه.
ومهما حاولوا جاهدين، فصحيح أنهم يبذلون جهدًا كبيرًا جدًا، لا يستطيع المسؤولون في البنك المركزي الأوروبي تقديم ما تحتاجه أوروبا بشدة من أجل تحقيق وضع اقتصادي ومالي جيد مستدام، أي نمو كبير وشامل مستدام. ومهما بلغ ما يخوضونه من تجارب، ومهما انغمسوا بعمق في «سياسة غير تقليدية»، لا تناسب ما يملكونه من أدوات المهمة المطلوبة. يعتمد رخاء وخير أوروبا على أفعال آخرين. نتيجة لذلك، مثل إيفان هانسين، يجب على البنك المركزي الأوروبي التساؤل بشأن مخاطرة انكشاف الأمر بشكل عبثي فوضوي.
وتأتي النهاية الرائعة لهذه المسرحية الموسيقية كرسالة تذكرنا في الوقت المناسب بأن هناك طرقا لتحويل الوضع غير المستدام إلى وضع مستدام دون التسبب بانهيار البناء بالكامل. إنه أمر ممكن حدوثه في أوروبا، بل ينبغي أن يحدث في أوروبا، لكنه يتطلب أن تعترف الحكومات بمدى هشاشة البناء السياسي الحالي في منطقة اليورو، وأن تقدم على المزيد من الأفعال والإجراءات من أجل تحسينه، من خلال تبني إصلاحات هيكلية داعمة للنمو، وسياسة مالية قائمة على المشاركة، يكون بها متسع لتخفيف الديون حين تكون هناك حاجة ماسّة لذلك، ولتدعيم البناء الاقتصادي والمالي الإقليمي.
كذلك قد تحتاج أوروبا إلى نوع من المفاجأة السياسية لانتشال الحكومات بقوة من خليط العجز والرضوخ للوضع الراهن الذي يسبب الأذى. من دون تحقيق ذلك سوف تخفق الدول الأوروبية في الانتقال إلى مرحلة من النمو الكبير الشامل، والاستقرار المالي الحقيقي؛ وسيكون مصيرها أكثر إيلامًا من مصير إيفان هانسين، وكل من اعتمدوا عليه.


* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو