السوريون ومظاهرات المدن الأوروبية!

السوريون ومظاهرات المدن الأوروبية!

الثلاثاء - 21 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 20 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13902]
فايز سارة
كاتب وصحافيّ سوريّ

كان من اللافت للنظر تحرك الرأي العام في الدول الأوروبية في الفترة الأخيرة عبر اهتمام واسع من وسائل الإعلام المحلية، سعيًا لإبراز ما يحصل في سوريا، ومن خلال مظاهرات واجتماعات جماهيرية شهدتها العواصم الأوروبية دعمًا للقضية السورية في ضوء مجريات العدوان على حلب الذي شاركت فيه روسيا وإيران وميليشيات الأخيرة إلى جانب قوات النظام، وجرى خلاله استباحة أحياء حلب الشرقية وتدميرها وقتل وتشريد سكانها بعد طول حصار، مما خلف فصلاً دمويًا جديدًا من المأساة السورية المتواصلة منذ نحو ست سنوات مضت.
الجمهور الأساسي في المظاهرات من مواطني الدول الأوروبية، وإلى جانبهم سوريون من المقيمين واللاجئين الجدد في تلك البلدان، وانضم إلى المتظاهرين بأعداد محدودة مقيمون من العرب والأتراك والإيرانيين وجنسيات أخرى، الأمر الذي أعطى المظاهرات بعدًا، لم تحظَ به المظاهرات الداعمة للسوريين وقضيتهم في وقت سابق.
غير أن هذه المظاهرات بإيجابياتها، كشفت عن مشكلات لا بد من الوقوف عندها لتأثيراتها السلبية، الأمر الذي يهدد استمرارها، ويدفعها إلى الضعف، وربما الاختفاء بصورة كلية، وعودة الرأي العام الأوروبي إلى سكونه، ومغادرة اهتمامه بالقضية السورية ومجرياتها، وقد يأخذ اتجاهات أشد سوءًا في ضوء المخاوف من الإرهاب والتطرف الذي غدت سوريا واحدة من ساحاته الرئيسية. ولعل الأبرز في مشاكل المظاهرات، سوء تنظيمها وبؤس الشعارات، والهتافات التي ترفع فيها، وهي مشاكل ذات أبعاد سياسية وتنظيمية في آن معًا.
وبصورة عامة، تتسم المظاهرات بغياب التنسيق، ونقص التجهيزات التقنية، وسيادة العشوائية، وهذه جوانب إدارية تقنية، يمكن حلها بقليل من الجهد والتعاون بين المنظمين بغض النظر عن اختلافاتهم، لكن الأهم في مشكلة تنظيم المظاهرات، هو غياب التعاون السياسي بين المنظمين، وغالبًا ما يكون الأمر أكثر سوءًا، حيث يبرز التنافس بين أطراف سياسية ومدنية وشخصيات سورية، تعمل باتجاه إقامة المظاهرات، التي كان هدفها الأساسي إبراز اهتمام الرأي العام المحلي بالقضية السورية ودعم نضال السوريين ضد نظام الأسد، ومن أجل مستقبل أفضل لسوريا والسوريين، وهو هدف ينبغي أن يوحدهم، لا أن يفرقهم ويدفعهم باتجاه التنافس السلبي على نحو ما يحصل، بحيث يسعى كل فريق وكل شخص منهم لإثبات وجوده في المظاهرة، وليس لإثباث وجود القضية، التي يقول الجميع إنهم يعملون من أجلها، ولكسب دعم الرأي العام إلى جانبها.
ويشكل الاختلاف والتنافس، بوابة لما هو أخطر في المظاهرات، الأهم فيه ما يتم إطلاقه من الشعارات والهتافات. فتختلط الشعارات المرفوعة والمختلفة من الناحيتين الآيديولوجية والسياسية؛ إذ يسعى كل طرف من المشاركين لأن تكون المظاهرة تعبيرًا عن موقفه الآيديولوجي والسياسي في القضية السورية، مما يعني أنهم تجاوزوا الوظيفة الأساسية للمظاهرات، وهي تعبير الرأي العام عن موقفه، مما يتطلب رفع شعارات واحدة، تدعم قضية السوريين في مواجهة القتل والتهجير، ومن أجل إقامة نظام ديمقراطي، يوفر الحرية والعدالة والمساواة لكل السوريين.
إن الأخطر فيما يحصل، سعي الإسلاميين إلى إطلاق شعاراتهم وهتافاتهم، سعيًا لإعطاء المظاهرات هويتهم الآيديولوجية والسياسية، وهذا يجعل متطرفين يستغلون المظاهرات، برفع الإعلام والرايات السوداء، وإطلاق هتافات، تؤيد تنظيمات التطرف والإرهاب مثل «داعش» وجبهة النصرة وأمثالهما، الأمر الذي تسبب بمغادرة مشاركين أوروبيين للمظاهرات في أكثر من مظاهرة في الأسبوع الماضي.
إن تجربة مظاهرات السوريين في البلدان الأوروبية، تحتاج إلى مراجعة جدية، ممن يرغبون فعلاً في التعبير عن هموم قضيتهم ومخاطبة الرأي العام، وكسب دعمه وتأييده لهذه القضية في بعديها الإنساني والسياسي، وتحديد المشاكل المحيطة بهذا النشاط المهم والفعال، وصياغة سياسة جديدة، تقوم على التعاون في تحديد طبيعة المظاهرات وأهدافها، وتوفير الإمكانات المادية والتقنية اللازمة لنجاحها، وتحديد مضمون الشعارات والهتافات التي ترفع، بل وعزل كل من وما يمكن أن يأخذ المظاهرات خارج أهدافها ومجرياتها الطبيعية، وما لم يحصل ذلك، فإن اللوم لا ينبغي أن يوجه للأوروبيين ولحكوماتهم بل للسوريين ولأخطائهم أولاً وأخيرًا.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة