ماذا تعني أميركا بلا نفوذ؟

ماذا تعني أميركا بلا نفوذ؟

الجمعة - 17 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 16 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13898]
أنتوني بلينكن
نائب وزير الخارجية الأميركي

في فبراير (شباط) عام 1945، في خضم الحرب العالمية الثانية، اجتمع كل من فرانكلين روزفلت، وجوزيف ستالين، وونستون تشرشل في يالطا، المنتجع الروسي في شبه جزيرة القرم، للتشاور بشأن اتجاه الحرب القائمة، والسلام التالي عليها. ولقد وافقوا على نظام ما بعد الحرب الذي طرحه الرئيس روزفلت وحمل عنوان «رجال الشرطة الأربعة»، الولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، وروسيا، والصين.
وكان روزفلت على قناعة بمقدرته على إقناع ستالين أن يُبقي التزاماته في مؤتمر يالطا عند حدود الأمن الجماعي وأوروبا غير المجزأة. ولكن كانت لدى ستالين رؤية مختلفة تماما، وهي العالم الذي تشكله مجالات النفوذ، حيث تسود إرادة الأقوى من خلالها. وفي فلك الاتحاد السوفياتي، هبط الظلام الدامس على أوروبا الشرقية لمدة 45 عاما.
واستقر الرئيس هاري ترومان على ضرورة احتواء التوسع السوفياتي. ومن ثم أقام أولى تحالفات الولايات المتحدة في زمن السلم، بدءا من أوروبا الغربية، ثم انطلاقا نحو آسيا. وتولت الولايات المتحدة زمام المبادرة في صياغة الأعراف، والقواعد، والمؤسسات التي شكلت ما صار يُعرف بالنظام الدولي الليبرالي، بما في ذلك الأمم المتحدة، والمؤسسات المالية الدولية، وخطة مارشال.
وفضّل النظام الدولي الليبرالي، الذي تقوده الولايات المتحدة، العالم المفتوح المتصل بحركة الناس، والسلع، والأفكار، ورؤوس الأموال، والعالم القائم على مبادئ تقرير المصير وسيادة الأمم والحقوق الأساسية لمواطنيها. ولم يُفلح ذلك النظام في الارتقاء لمستوى الأفكار والمثل المؤسسة له، وعلى نحو أبلغ وأوضح في دول أميركا اللاتينية وجنوب شرقي آسيا. وعلى الرغم من توترات حالات الاستنفار القصوى التي ميزت حقبة الحرب الباردة، فإنها قد تمكنت من إنتاج عقود من السلام بين القوى العظمى في أثناء بناء الازدهار المشترك.
ويواجه نظام ما بعد الحرب العالمية الذي أسسته أميركا مزيدًا من التحديات الجسيمة، بما في ذلك التحديات الناشئة من المنافسين القدامى. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليس هو الزعيم ستالين، وروسيا الحالية لا صلة لها بالاتحاد السوفياتي القديم. ولكن السيد بوتين، رغم ذلك، يسعى بكل طاقته لإعادة مجال النفوذ الروسي للحياة من جديد، في حين يسلب، قطعة بقطعة، النظام الدولي الليبرالي الذي ساد وانتشر خلال حقبة الحرب الباردة. لا تزال الصين معنية بتحقيق الاستقرار في الداخل، ولكن «نموذج علاقات القوى العظمى الجديد» الذي تقترحه الصين يدعو الولايات المتحدة إلى الالتزام بالجانب الذي تسيطر عليه من المحيط الهادي، وإفساح المجال للصين لنيل نصيبها من الأدوار الدولية البارزة من جانبها.
يتركز اهتمام حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا على ما إذا كانت إدارة الرئيس الجديد دونالد ترامب سوف ترفض عودة ظهور مجالات النفوذ أو تقوم باحتوائها. ويساورهم القلق من أنه خلال حملته الرئاسية بدا السيد ترامب على درجة من درجات الموافقة على القيادة «القوية» لقوى الاستبداد الدولي وتفضيل استخدام المقاربة التصالحية حيال السيد بوتين. وأظهر ترامب اهتماما طفيفا حيال التدخلات السيبرانية الإلكترونية الروسية في الانتخابات الرئاسية الأميركية والعدوان القائم من جانبها في أوكرانيا، كما أشار إلى أن حلف الناتو «عفى عليه الزمن». أما الرئيس الروسي فقال إنه حري بالولايات المتحدة أن تتخلى عن وظيفة «الدفاع عن العالم»، ووصف اليابان وكوريا الجنوبية بالفرسان الأحرار الذين ينبغي عليهم الاضطلاع بأعباء الدفاع عن أنفسهم وترسيخ مبادئ الردع النووي.
ولقد تعهد الرئيس المنتخب ترامب، بالتخلي عن اتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادي، متنازلا للصين عن القيادة الاقتصادية والنفوذ الاستراتيجي في قارة آسيا. ومن زاوية كثيرين في أوروبا وآسيا، فإن هذه التصريحات تُترجم إلى عالم تتراجع فيه الولايات المتحدة إلى شرنقتها، في حين تهيمن كل من روسيا والصين على مجالات النفوذ السياسية والاقتصادية في العالم.
لقد عقدت الإدارة الأميركية مفاوضات بشأن معاهدة خفض الأسلحة النووية «نيو ستارت» الجديدة مع موسكو، وأيدت انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية. لكن عندما تتحدى روسيا أو الصين مبادئ النظام الدولي الليبرالي الراسخة، يتعين على الولايات المتحدة التصدي والدفاع عنها. في أوكرانيا، سعى السيد بوتين إلى تغيير حدود إحدى الدول المجاورة لروسيا باستخدام القوة العسكرية وحرمان الشعب الأوكراني من الحق في أن يقرر أي الدول، أو الاتحادات، أو التحالفات التي يريد الانضمام إليها. وهو السبب في أهمية الدعم الأميركي للقضية الأوكرانية.
من غير المرجح للعالم القائم على مجالات النفوذ المتعارضة أن ينعم بالسلام أو الاستقرار، ولكن ستكون الولايات المتحدة ذاتها بمنأى عن تداعياته العنيفة.
*نائب وزير الخارجية الأميركي
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو