نجومية مهترئة

نجومية مهترئة

الأربعاء - 8 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 07 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13889]
محمد رُضــا
صحافي متخصص في السينما

في مقابلاتي مع الممثلين والممثلات الأجانب، وقد قابلت رهطًا كبيرًا منهم خلال السنوات العشرين الماضية، أسأل من حين لآخر السؤال التالي:
- هل تفضل أن توصف بالممثل أو بالنجم؟
والجواب على نحو شبه يحمل تأكيدًا وتفضيلاً لكلمة: ممثل.
الردود الأكثر تكرارًا هي: «أنا ممثل قبل أن أكون نجمًا وأحب أن أحافظ على هذه الصفة» و«أفضل أن أعتبر نفسي وأن يعتبرني الآخرون ممثلاً» و«النجومية تأتي وتذهب لذلك لا أكترث لأن يدعوني الإعلام نجمًا على الإطلاق».
المتحدثون من أمثال أنطوني هوبكنز وبن كينغسلي ومل غيبسون وليوناردو ديكابريو. أما كلينت إيستوود فقال لي مرة ساخرًا: «إنها كلمة ترضي ذوي النفوس التي تحتاج لبريق. الممثل الواثق من نفسه هو فنان بالضرورة وهذا ما يجب أن يحافظ عليه».
ضع هذه الإجابات الناضجة بتلك التي يتداولها الإعلام العربي في كل مرّة يكتب أو يذيع فيها اسم ممثل أو ممثلة تجد أن كلمة «نجم» أضحت مثل ورقة مالية مهترئة من كثرة تداولها. لقد تم محو كلمة «ممثل» من الوجود واستبدلت بكلمة «نجم» وإذا لم يكن ذلك كافيًا يتم لصق كلمة «كبير» بعدها فإذا به «نجم كبير». ما هو حجمه؟ هل مثلاً من الكبر بحيث ينير عتمة الليل؟ أو بحيث إن هوليوود وبوليوود تلاحقه ليل نهار لبطولة فيلم ما؟ طبعًا لا.
في الحفاظ على كلمة ممثل قيمة فنية أكيدة. أما كلمة نجم ففيها قدر كبير من التزلف وأكبر من ذلك من التكلّف والادعاء. ولم تكن لتنتشر الكلمة (التي لم أستخدمها لوصف ممثل في حياتي ولا مرّة) لولا تشجيع الممثلين أنفسهم لاستخدامها. هو (أو هي) لم يعد ممثلاً.. بل هو نجم، كما لو كانت الشعبية التي يعتقد أنه يحوز عليها هي الأهم من المهنة التي صنعت شعبيته.
والكلمة تطلق على ملصقات الأفلام ومقدماتها بمجانية تدعو للرثاء: بطولة النجم الفنان كذا، وبالاشتراك مع النجمة الكبيرة وضيف الشرف النجم. هل يشاهدون الأفلام الأميركية بغير غرض اقتباس حكاياتها؟ هل يلاحظون تعبيرات ومواصفات من هذا النوع؟ حتى كلمة Starring اختفت من الوصف تقريبًا وهي كلمة عنت، خلال استخدامها في الماضي وما تبقى لها اليوم أن الفيلم من بطولة وليس من «نجومية».
وهناك كثير من الكلمات الخطأ التي باتت ترد في المقالات والخطب والأحاديث وأكثرها شيوعًا الآن كلمة «صناع الأفلام» أو «صناع السينما». كلمتان تتيحان للكاتب تجاوز معضلة الإعراب، فالغالبية لا تدري إذا ما كانت ستستخدم كلمة «صانعو» أو «صانعي» تبعًا لورودها في العبارة، وعوض الوقوع في الخطأ يستسهلون المسألة بكلمة هي أقل قدرة على التعبير الصحيح عن صانعي الأفلام أو صانعي السينما. الصانع هو من يصنع. الصنيع هو من ينفذ الصنعة. لكن لا حياة لمن تنادي في هذا المجال.
نحن سريعو التقليد. ما إن يختلق أحدنا كلمة حتى ترانا نتبناها بسرعة شديدة معتقدًا أنه بذلك إنما يعاصر. في الحقيقة هو يعصر المفادات والقيم وسريعًا ما سيتسبب في جفافها.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة