حرامية الأمس وحرامية اليوم

حرامية الأمس وحرامية اليوم

الأحد - 5 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 04 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13886]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
الفساد بمعنى السرقة والاختلاس والرشوة ليس بجديد في تاريخ المنطقة، بل وتاريخ البشرية عمومًا. ويمتد في الواقع إلى فجر ظهور الملكية الفردية، التي كانت هي بدورها ضربًا من الفساد أولاً بأول. عرفناه في تاريخنا. كما تقدم الجمهور بالشكوى منه للخليفة. وكم اضطر الخلفاء لاستعفاء بعض الولاة والقضاة لضلوعهم في الفساد. الحكايات أوسع من أن تتسع لها هذه المقالة الوجيزة، ولها أصداؤها في أدبياتنا عمومًا.
بيد أن هناك فرقًا كبيرًا في رأيي وخطيرًا بين ذلك الفساد في أيام الأمس والفساد في أيامنا النحسة هذه. كان حرامية الأمس يستهلكون سرقاتهم في البذخ والصرف على أنفسهم وعلى عوائلهم، في الضيافة والكرم، في الزواجات وشراء الرقيق. كانوا أحيانًا يستثمرون ما سرقوه في إحياء الأرض، في الزرع والضرع والبناء والتجارة والصناعة. وفي كل هذه الأحوال تبقى الثروة داخل البلد بل وتنهض به وترفع مستواه الاقتصادي والمعيشي، عندما تستثمر في هذه الميادين وتصرف بين قطاعات المجتمع.
وهذا هو الفرق الكبير بين فساد الأمس وفساد اليوم. ففي الآونة الأخيرة أخذ الضالعون في الفساد يبادرون فورًا إلى تحويل سرقاتهم إلى الخارج، وعلى الأكثر إلى العالم الغربي. يفعلون ذلك خوفًا من محاسبتهم عنها ومصادرتها، وأيضًا طمعًا في العيش خارج الوطن. كثيرًا ما تنتهي في البنوك الأجنبية ذات السرية كما في سويسرا. قد يحصلون منها على فوائد طفيفة وقد لا يحصلون على أي فوائد. وقد يستثمرونها في شراء العقارات أو الأسهم هناك، وقد يوظفونها في أتفه الأمور كشراء نادٍ كروي (كما فعل أحد الوزراء العراقيين مؤخرًا) أو نادٍ رياضي أو مسارح مثلاً.
نجد في كل هذه الأحوال أن المستفيد الحقيقي من سرقاتهم واختلاساتهم هم الأجانب، وأحيانًا الأجانب من أعداء بلادنا وأمتنا. نراهم أحيانًا يستثمرونها في إقامة صناعات ومتاجر وبناء قصور وأسواق. ولكن في كل الأحوال، خارج وطنهم الذي سرقت منه هذه الأموال.
هذا ما ساهم في تعميق الفقر في معظم بلداننا العربية، فأموال الدولة التي هي ملك الشعب وللشعب تخرج للخارج ليغتني بها الأجنبي وليس المواطن العربي الأصلي، المالك الشرعي لهذه الأموال. وبالتالي تسوء الأحوال المعيشية، وتتلاشى فرص الاستثمار والإعمار في البلاد، وتعم البطالة، وتساهم في خلق الفرص للمنظمات الإرهابية والانقلاب على الأنظمة القائمة، وبالتالي زعزعة الاستقرار وخراب الدار. وعائلة الأسد في سوريا مثال على ما أقول.
هذا هو الفرق الأساسي بين فساد الأمس وفساد اليوم. كان فساد الأمس فسادًا وطنيًا، في حين أن فساد اليوم فساد خياني وتخريبي.

التعليقات

كاظم مصطفى
البلد: 
United States
03/12/2016 - 23:16

الفساد وسرقات مسؤولي ونواب الحكومه العراقيه فسرقاتهم كما اشرت اما سرقات
مسؤولي اقليم كردستان تصب اغلبها في استثمار سرقاتهم ورشاويهم داخليا ببناء
المجمعات السكنيه ومراكز التسوق واعتقد من ان الصنف الاول منهم يعلم من ان زوالهم قريب وكذلك المال الحرام .

عادل
04/12/2016 - 04:02

عندما كنا في الثانوية في الخمسينات كانت توزع علينا كتب و كراسات من الاحزاب,الشيوعي ,البعثي,الاسلامي ...الخ. اذكر في دستور حزب البعث يقول :البعثي اول المضحين و اخر المستفيدين.صدام حسين و حافظ الاسد قلبها فصار :البعثي اول المستفيدين و اخر المضحين.

د. أبو سعدين المشرفي
البلد: 
دبي
04/12/2016 - 08:12

وبهذا نفهم الإصرار المستميت من الدول الغربية لتعميم هدية "النظام الجمهوري" قسرا في كل بقاع الأرض حتى الدول المعروفة بالرفاهية والاستقرار التام والسهر على مصالح رعاياها! العجب ليس منهم ولكن من بعض العقول التي تطبل وتزمر لهذا النظام البغيض والفاسد الفاشل!

فاهد
04/12/2016 - 10:32

رايع ي استاذ
ياليت تصدر قوانين تجيز سرقة المال العام على شرط استثماره في الداخل .

سيف السعدون
البلد: 
بريطانيا
04/12/2016 - 11:01

الاستاذ خالد القشطيني احييك اجمل تحية، واضيف ان حرامية الامس كما اشرت يحاسبون اما سراق الْيَوْمَ الفاسدين فلهم من يأويهم في الداخل وفِي الخارج ويشترك معهم في النهب.
المشاريع التي تسرق بسببها الأموال لم تنفذ على الوجه الصحيح والمقاولون هم الراشدون ؛ ولعن الله الراشي والمرتشي.
الأموال تسرق والشعب مختطف بغسل الادمغة وبالقوة ولا يقوى على استرداد السرقات او ايقافها، لكنه يراها بعينيه ويعيش ويتألم من نتاءجها.
الدول التي تاوي الأموال المسروقة ترتكب جرما حسب القوانين السائدة في الغرب، فالاموال المسروقة يجب ان تعاد الى أصحابها حتى مع معاقبة السارقين.
الكلام عن الفساد والسراق من مسؤولين وبطانتهم اصبح واضحا للعيان ويحتاج لوثبة مسؤول شجاع لاسترداد تلك الأموال المسروقة للبلاد؛ بدلا من الاقتراض وتكبد الديون وتراكمها لسد عجز الميزانيات الهاءل.

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
04/12/2016 - 15:57

استاذ خالد القشطينى
صحيح ان حرامية اليوم يهربون اموالهم خارج البلاد فيودعونها فى البنوك الاجنبية لعدة اسباب منها الاول لانهم يعلمون ان البنوك الاجنبية تحتفظ بسرية اموال عملائها المودعة لديهم والثانى حتى لا يتعرضون للمساءلة اذا هم استثمروا هذه الاموال محليا فى بلادهم ويطبق عليهم قانون من اين لك هذا ؟ والثالث لان البنوك الاجنبية لا تسال عملاءها عن مصدر اموالهم وما اذا كان هذا المصدر مشروع ام غير مشروع والرابع ان الحرامية يودعون اموالهم فى البنوك الاجنبية باسماء مستعارة للتمويه وابعاد الشبهات عنهم وللاسف الشديد فان اغلب هؤلاء العملاء اللصوص هم ممن يوصفون بانهم علية القوم ومن بيدهم السلطة وعلى راى المثل " حاميها حراميها " وفى النهاية ليس هناك ماهو ابرك من المال الحلال اما المال الحرام فانه يكنس كل الاموال والعياذ بالله

السراج
04/12/2016 - 18:37

كان بعض الفاسدين وايضا التجار الكبار والصغار يستثمرون فلوسهم ببلدانهم الحين حتى التجار الصغار واصحاب الحرف المطلوبة يهربون من اوطانهم الى الخارج

سالم علي
البلد: 
استراليا
04/12/2016 - 19:50

الانظمة الفاسدة في العالم العربي تحظى بدعم غربي وهذا الامر يشجع ه الانظمة الانظمة على الاستمرار في الفساد كما يحدث علنا في العراق . ويبدو ان النظام الطائفي في العراق الذي يستغل الحملة الغربية لمحاربة الارهاب الاستمرار في الفساد رغم التظاهرات التي يشارك فيها الاف العراقيون ورغم تذمر العراقيين واحتجاجهم في مواقع التواصل الاجتماعي . هناك سهولة في تحويل الاموال الى الخارج لان الكثير من يتولون زمام السلطة يحملون جنسيات غربية وايرانية توفر لهم سهولة تحويل الاموال والهرب عند الضيق . وفي الايام الاخيرة قابلت دعوة المالكي لمحاسبة الانظمة العراقية السابقة بسخرية العراقيين وقرفهم لان المالكي نفسه متهم بالفساد ومن يتهمه بالفساد ليس المواطنين العراقيين فحسب وانما مقتدى الصدر الذي يشارك في الحكم ..

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة