كيف تنتصر إيران؟

كيف تنتصر إيران؟

الجمعة - 30 ذو القعدة 1437 هـ - 02 سبتمبر 2016 مـ رقم العدد [13793]
نديم قطيش
إعلامي لبناني
منذ عام 1979 لم تنجح إيران في إنتاج استقرار حقيقي لمشروعها في المنطقة. لم تنجح في إنتاج نظام واحد في دولة واحدة، يتحالف معها ويدور في فلكها الاستراتيجي. لم تنجح في تأسيس بنية تحتية مستقرة لنفوذها، تسمح لها بالتدخل في شؤون هذه الدولة أو تلك، بغير آلة الحرب المستمرة والدائمة.
في المحصلة المنطقية هذا فشل معلن للمشروع الإيراني، ولمشروع مد نفوذ إيران وللرغبات الإيرانية التي تعبر عنها تصريحات ساذجة من نوع أن إيران تحتل أربع عواصم عربية هي بيروت وبغداد وصنعاء ودمشق.
وليس مطروحًا في المدى المنظور أن يتحول هذا الفشل إلى نجاح في أي من الدول التي تتحرك فيها إيران أو في غيرها.
مع ذلك إيران تربح.
الأسبوع الفائت قال الجنرال محمد علي فلكي، أحد أبرز قادة الحرس الثوري الإيراني، إن بلاده أنشأت تحت قيادة قائد فيلق القدس قاسم سليماني، ما يسمى «جيش التحرير الشيعي»، وحددت له مهام قتالية في سوريا والعراق واليمن.
وفي حوار أجرته معه وكالة «مشرق» المقربة من الحرس، أسهب فلكي في شرح الخريطة الميليشياوية التي تديرها إيران، لا سيما في سوريا، معددًا ميليشيا «زينبيون» الباكستانية و«حيدريون» العراقية و«حزب الله» المكون من «حزب الله» العراقي و«حزب الله» السوري، و«حزب الله» اللبناني.
من غير المفهوم لماذا تتبرع شخصية بهذا المستوى لتوضيح شأن عسكري يمكن أن يكون من المفيد إبقاؤه مموهًا وغامضًا. وقد يقلل البعض من أهمية التصريحات باعتبارها جزءًا من الحرب النفسية التي تشنها إيران لإظهار مكامن قوة لا تملكها. وثمة من يرى أن التصريحات تستبق انكشاف جوانب مهمة من الإدارة العسكرية الإيرانية في سوريا، وهو تفسير راجح في ضوء ما نشرته صحيفة «دايلي ميل» البريطانية قبل أيام عن وثائق تشرح بنية الإدارة العسكرية الإيرانية لميليشيات شيعية في سوريا.
فبحسب وثائق حصلت عليها الصحيفة من مصادر رفيعة في الحرس الثوري، وحكمت مصادر استخباراتية بتمتعها بمصداقية عالية، فإن لإيران غرفة عمليات متطورة بالقرب من مطار دمشق، تدير عبرها الحرب في سوريا. كما تشير الوثائق المسربة إلى أن عدد المقاتلين الذين يأتمرون بإمرة الحرس في سوريا ستون ألفًا.
وفي العراق الذي دمرت حكومة نوري المالكي جيشه الذي بناه الأميركيون، كما ظهر جليًا في فضيحة سيطرة 1500 مقاتل من «داعش» على الموصل التي كان يحميها أكثر من 30 ألف جندي عراقي، تبدو الصورة مماثلة. فاستبدال الميليشيات بالدولة ومؤسساتها يسير وفق المخطط الذي اعتمد في لبنان بشكل أقل صفاقة وفي سوريا بشكل فاقع، عبر ما يسمى الحشد الشعبي.
بمثل ما تحاول الدولة اللبنانية استرضاء ميليشيا «حزب الله» والتعايش معها تسعى بغداد، عبر مخططات لدمج الحشد بالدولة. لكن المفارقة أن الحشد، كما «حزب الله» اللبناني، يشعر بتفوق عقائدي ولوجستي على الدولة الضعيفة التي تغازله وتسترضيه. في هذا السياق قال أبو آلاء الولائي، الأمين العام لـ«كتائب سيد الشهداء»، إحدى الميليشيات البارزة ضمن الحشد الشعبي، إن «الكتائب تشكيل عقائدي مرتبط بولاية الفقيه ولا يتبع الساسة العراقيين»!
قيادي آخر في ميليشيات الحشد، هو أوس الخفاجي، قائد ميليشيا أبو الفضل العباس، هدد علنًا السفير السعودي لدى العراق ثامر السبهان، من دون أن يصدر أي موقف عن الدولة العراقية يفيد بوجود أي مسافة بين الدولة والخفاجي!
لا يفترض أحد أن لهذا المشروع أي أفق مُستدام، يؤسس لمنظومة حكم مستقرة، موالية لإيران. إيران نفسها تعاني من أزمات لا حصر لها لا تسمح لها بالتمادي في دفع تكاليف إدارة الحروب الأهلية المتعددة في سوريا ولبنان والعراق واليمن وربما غدًا في أماكن أخرى. لا يمكن لدولة يعاني 30 في المائة من سكانها من المجاعة، بحسب مساعد وزير الصحة الإيراني علي أكبر سياري، أن تبقي على موازنات الحرب مفتوحة إلى الأبد!
مع ذلك إيران تنتصر.
المشروع الإيراني ينجح ليس بمقدار ما يبني، بل بمقدار ما يدمر في مدن وحواضر العرب!
الدمار اللاحق بسوريا والعراق، بشكل رئيسي، معطوفًا على الدمار الاجتماعي والسياسي والمؤسساتي في هذين البلدين وغيرهما، يقابله في إيران بلاد قابلة للنهوض.
أيًا تكن الخسائر السياسية والاقتصادية التي تعانيها إيران، فطهران ليست حلب أو بغداد، وتبريز ليست داريا أو حمص أو الفلوجة، والموصل وأصفهان ليستا صلاح الدين أو دير الزور. قد يبقى النظام الإيراني أو قد يرحل، لكن إيران باقية ببنيتها التحتية، وإن المتخلفة، وبشوارعها وجسورها ومطاراتها ومدارسها ومستشفياتها.
في بلادنا تختلف الحكاية؛ فتكلفة إعادة إعمار سوريا تتراوح بين 180 مليار دولار بحسب تقديرات البنك الدولي حتى تعود إلى ما كانت عليه عام 2011، و500 مليار دولار بحسب تقديرات أخرى. في حين قدر مجلس الوحدة الاقتصادية العربية تكلفة إعادة إعمار العراق بنحو 600 مليار دولار، يضاف إليها 200 مليار دولار تكلفة الحرب. وحدث ولا حرج عن اليمن.
إيران تنتصر بدمارنا وبتهديم أنسجة الحيز المديني وبتغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي في حواضر أساسية لأمن واستقرار عموم المنطقة.
لم يعد كافيًا تمنية النفس بأن مشروع إيران مستحيل. ربما يكون كذلك، لكن انتظار اصطدامه باستحالته، يعني المزيد من الانهيار عندنا. انهيار قد لا يكون قيام بعده.
إيران عدو. وعدو خطير وينبغي أن تعامل على هذا الأساس وفق استراتيجية مواجهة مصيرية.

التعليقات

متعب الزبيلي
البلد: 
السعودية حفرالباطن
02/09/2016 - 03:06

ايران ظاهرة كلامية مية مية

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
02/09/2016 - 10:25

الهدم يا أستاذ نديم أقل تكلفة ووقتاً بما لا يقاس مع البناء، تلك هي القاعدة التي تجعل إيران "تربح"، البناية التي يستغرق بناؤها سنوات وتكلف عشرات الملايين لا تكمل عملية هدمها ومساواتها بالأرض سوى دقائق معدودة وبتكلفة لا تتعدى بضعة آلاف فقط، ببساطة تلك هي الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة، فالولاء العقدي "وهو الأهم" مجاني أما التسليح فلا يتعدى خردة روسية أو صناعة محلية "بتراب الفلوس"، هي لا تربح بمعنى الربح ولكنها تربح بقدر الدمار و"الهدم" الذي يمكنها أن تحدثه في الوطن العربي فقط.

Arbahim Qali
البلد: 
Sweden
02/09/2016 - 10:25

لن تتعافي إيران ما دام الحقد ملئها وأعمي بصيرتها،إيران مثل مجنون يعيش في وسط عالم مجنون،الغرب هو من يشجع إيران لتستمر في جنونها وحقدها وشيطنتها.

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
02/09/2016 - 12:00

شكرا لك لأستاذ نديم قطيش على مقالك، نظام الملالي يربح سياسياً ربح مؤقت بتنفيذ أجندته المدمرة للمنطقة، العراق ولبنان قرارهما السياسي ليس بيد حكومته، سوريا تُدمر كدولة بمساعدة المليشيات الإيرانية والمليشيات المنضوية تحت يد الولي الفقيه خامنئي كما ذكرت في مقالك هذا، واليمن يدمر من قبل مليشيات الحوثي والمتعاونين معهم. أقتصاديا أو مالياً إيران، تربح بل انها استطاعت ان تقلل من تأثير الحصار عليها من سرقتها لموارد الدول مثل العراق الذي أصبح دولة غير منتجة، الشركات الأيرانية في كل مكان والبضاعة الرديئة التي لايمكن تسويقها في اي مكان، غزت السوق وفٌرضتْ على العراقيين ،هي تسيطر على السياحة الدينية في كربلاء والنجف، ايران تاجر بشع في العراق يتاجر بكل شيىء حتى في دماء العراقيين.

هناك تكملة

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
02/09/2016 - 12:08

وأظن الحالة نفسها في لبنان فحزب الله يسيطر على مقدرات البلد، وإن كان حزب الله يدعي ان أكله وشربه وسلاحه من أيران فهو كذب بالرغم أنه في تصريحهِ يثبت عمالته، وما هو الا تمويهاً عن ممارساته غير المشروعة في تجارة المخدرات والسلاح وغيره حول العالم، إيران مثل كابوس حاكم جائر، ستنتفض عليه الشعوب وعلى عملائه، لكن على الخيرين في كل العالم مساعدة تلك الشعوب المظلومة والمقهورة في غفلة من المجتمع الدولي عن ممارسات هذا الوحش الدموي، بل مساعدة شعوب إيران من هذا الكابوس المقيت.
لكن إيران تخسر خسارة استراتيجة، ايران تخسر جيرانها إيران منبوذه ومكروهه من شعوب المنطقة وحتى لو تبدل نظام الحكم فستبقى ذاكرة الشعوب متوقدة الى حين ان تٌثبتْ انها تغيَّرت وهذا قد يتطلب ربما أكثر من جيل .

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
02/09/2016 - 12:20

صدقني يا استاذ نديم لا العرب ولا الإيرانيين يربحون شيئاً من كل ما يحدث، الرابح الحقيقي والوحيد هي دولة إسرائيل.

فاطمة محمد
البلد: 
قطر
02/09/2016 - 21:28

كلام جميل ولا كن كيف لنا أن نتعايش مع إيران دون أن ننجرف نحوى حرب مدمرة تأكل الأخضر واليابس وأليس كان الحرب الإيرانية العراقية مثل حي والسؤال كيف لنا أن نقتلع إيران من دولنا العربية كيف لنا كسنة أن نعتمد على شيعة العرب هم يقتلون بالسنة من الغير المبرر أن يشترك شيعة العرب في تقوية شوكة إيران في الدول العربية أين حق المواطنة أنا أسأل

هانى سالم
البلد: 
Ahwaz
03/09/2016 - 22:56

من يعرف ايران و الفرس تحديدا يعلم جيدا انه ليس من الممكن التكلم عن التعايش معهم او العيش بجوارهم بسلام لانهم لا يرونكم كما ترونهم و لا ينظرون كما انتم تنظرون. انتصار الفرس بعدد سنين التى شغلوا العرب فى الحروب داخل اوطانهم و بعدد السنين التى يحتاجون العرب لاعمار ما دمروه

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة