الانسحاب الأميركي وحزن حلب

الانسحاب الأميركي وحزن حلب

الاثنين - 26 ذو القعدة 1437 هـ - 29 أغسطس 2016 مـ رقم العدد [13789]
روجر كوهين
كاتب, نيويورك تايمز

سراييفو، وحلب، مدينتان كانتا يومًا جزءًا من الإمبراطورية العثمانية، وتميزتا بالتنوع السكاني حيث عاش بها المسلمون، والمسيحيون، واليهود سويًا. وتتسم المدينتان بالثراء الثقافي، وتعرضتا للحصار، والتقسيم، والعنف. إنهما مدينتان صار الأطفال بهما ضحايا. مع ذلك يفصل بين المدينتين 20 عامًا.
ما أكثر ما حدث خلال هذين العقدين. تصدرت سراييفو عناوين الأخبار طوال مدة الحصار التي استمرت 44 شهرًا. وكانت الطائرات التابعة لحلف شمال الأطلسي تجوب السماوات لمنع القصف الجوي للسكان على الأقل. وتم نشر القوات التابعة للأمم المتحدة بخوذاتها الزرقاء في محاولة إغاثة معيبة. صرّح الرئيس بيل كلينتون بعد فترة طويلة من التردد بشنّ هجمات جوية، أدت إلى رفع الحصار الصربي، وأسفرت عن سلام غير كامل في البوسنة. وآتى التدخل الأميركي المتأخر ثماره.
تفتقر حلب إلى هذا التأهب. لقد تم قصفها، فما الجديد؟ كم مرة جاءت كلمة «حلب» على لسان الرئيس أوباما (أو بالطبع كلمة سراييفو المحملة بالدروس المستفادة)؟ في أي حفل عشاء في لندن، أو باريس، أو برلين، أو واشنطن تمت مناقشة أمر حلب؟ أي من الصحافيين الغربيين لديه القدرة على الذهاب إلى هناك، من أجل التسجيل اليومي لغضبهم من نسيان أمر المدينة؟ من يتذكر أنه منذ ست سنوات فقط كان يتم الحديث عن حلب في أوروبا باعتبارها مراكش الجديدة، ومكانًا يمكن شراء منزل للعطلات به؟ إن حلب تقف وحدها، وحدها أسفل قذائف الطائرات الروسية، والسورية، وحدها في مواجهة الجنون العنيف لكل من الرئيس فلاديمير بوتين، والرئيس بشار الأسد.
نعم حقًا أعلم أنه عندما تظهر صورة طفل مثل عمران دقنيش، مثلما حدث الشهر الحالي، وهو مغطى بالدماء بعد انتشاله من تحت الأنقاض في حلب، قد تنتشر الصورة لفترة كافية لانتحاب الناس على انهيار سوريا.. الانتحاب ثم يأتي من بعده النسيان، فهناك دونالد ترامب، الذي يمكن أن يفكروا فيه، ولننسَ أمر أكثر من 400 ألف قتيل، وأكثر من 4.8 مليون لاجئ، ودمار مدينة مثل حلب كانت تجسيدًا لحضارة الألفية الثانية. دقنيش، الذي قُتل شقيقه علي، هو إيلان الكردي هذا العام، الطفل السوري الذي لاقى حتفه هو الآخر على أحد الشواطئ التركية، والذي أثار موته موجة أخرى من الغضب المؤقت أيضًا خلال شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.
أما روسيا، التي اتجهت إلى سوريا العام الماضي عندما أدركت، أنه أيًا كان ما سيحدث، فأوباما لن ينخرط في هذه الحرب، فتقود الولايات المتحدة في رقصة ثنائية غريبة لا تسفر عن شيء. لقد فقدت القوة الأميركية مصداقيتها خلال العقدين الماضيين؛ فمن أوكرانيا إلى سوريا، تتحكم روسيا في الأحداث بكل جرأة ودون أي عواقب. أدى التفاؤل، وإن كان ساذجًا، بعالم يمكن بلوغه مرتبة الكمال إلى انتفاء إقرار كل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة عام 2005 لـ«مسؤولية الحماية»، وهي التزام بالتصدي لأي إبادة، أو جرائم حرب، أو تطهير عرقي.
حدثت بعض التغيرات طوال المسار الزمني الممتد من سراييفو حتى حلب؛ فقد أوجدوا عالما أكثر خطورة، ومدعاة للتشاؤم. قال أوباما إن التدخل الأميركي في ليبيا كان أكبر أخطائه، وأوضح أنه «فخور جدًا بهذه اللحظة» التي شهدها عام 2013، عندما قرر مقاومة «الضغوط الآنية»، ولم يوافق على استخدام القوة العسكرية، في التصدي لـ«خطه الأحمر»، المتمثل في استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا.
لا، سوريا كانت خطأ أوباما الأكثر فداحة، والكارثة التي لا يمكنها أن تبعث على أي شعور بالفخر، وفي قلب هذا الخطأ المجمل، كانت هناك السقطة الأسوأ، وهي تردد اللحظة الأخيرة فيما يتعلق بالـ«خط الأحمر»، وهو ما قوّض كلمة أميركا، وشجّع بوتين، ومكّن الأسد.
كما قال أوباما في 31 أغسطس (آب)، عند إعلانه لقراره بتأجيل القيام بعمل عسكري، والسعي للحصول على تفويض باستخدام القوة من الكونغرس: «(ما نفع النظام الدولي) إذا تم الاستخفاف بالأسلحة الكيميائية؟» وكذلك قال: «ما الرسالة التي سنوجهها إذا استخدم حاكم مستبد الغاز لقتل مئات الأطفال على مرأى ومسمع من الجميع، ولم يدفع الثمن؟». لقد باتت الإجابة واضحة الآن، وهي أن الحاكم المستبد الأسد سوف يذبح المزيد من الأطفال؛ وسيصبح النظام الدولي، الذي يدعم السلام العالمي، أضعف. لن يحدث في سوريا أسوأ مما يحدث حاليًا؛ حيث كان ينبغي أن يتم إبعاد طائرات الأسد، التي تلقي بالقذائف باستمرار، وإغلاق المجال الجوي أمامه في بداية الحرب، قبل ظهور «داعش». كان ينبغي أن يظل الخط الأحمر خطًا أحمر بالفعل. كانت عواقب سياسة أوباما، التي تقوم على ترك سوريا تتقيح، وخيمة على الحلفاء الأوروبيين.
يمكنكم مشاهدة مقطع مصور مؤثر على القناة الرابعة البريطانية عن بائع الزهور في حلب، لتبكوا الرجل الشجاع، الذي أصرّ على إبقاء آخر متجر للزهور مفتوحًا في المدينة. ينبغي إدراك أن الأشخاص اليائسين لا يزالون يجمّلون الشوارع بالأزهار ليؤكدوا انتصار الحياة على الموت. لقد مات بائع الورد، لم يفجع موته ابنه فحسب، بل كان فجيعة بالنسبة للمدينة بأكملها. لم يكن ينبغي أن تُترك حلب، التي تعد رمز الفشل والإخفاق، ورمز اللامبالاة، ورمز الانسحاب الأميركي، لتنزف هكذا.
*خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة