كولومبو ما زال هنا

كولومبو ما زال هنا

الأحد - 25 ذو القعدة 1437 هـ - 28 أغسطس 2016 مـ رقم العدد [13788]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.
هل يمكن للصورة أن تتنفس وتتحرك وتتكلم وتعيش بعد غياب الأصل؟ رأيته يدور في مهرجان شعبي جرى قرب باريس، يضحك مع الناس ويداعب الأطفال ويغمز للنساء فيبادلنه المجاملة أو يسخرن منه. ولم تكن تلك غمزة مقصودة. إنها دائمية وعينه اليسرى منطفئة، لا تكاد تنفتح. ولا أدري إن كان الأمر حقيقيًا أم من ضرورات التنكر. هذا هو كولومبو، مفتش التحقيقات الجنائية الذي تابعته أجيال وهو يكشف ألغاز الجرائم الغامضة في مسلسل تلفزيوني يحمل اسمه. ولما مات الممثل، انتبه كثيرون إلى أن اسمه الحقيقي كان بيتر فولك، وأنه داوم على أداء شخصية محقق الشرطة في هذا المسلسل الأميركي الذي دبلج إلى لغات كثيرة، منذ عام 1968، وحتى توقفه عام 2003.
في السينما، هناك بديل لكل ممثل، يحل محله في تأدية المشاهد الخطرة. وفي عالم النجوم هناك شبيه لكل شخصية شهيرة، تظهر في الإعلانات وتساهم في إحياء الحفلات والمهرجانات. وقد عاش رجال ونساء طيلة حياتهم وهم يكسبون رزقهم من تقليد ملكة بريطانيا أو الرئيس نيكسون أو ألفيس بريسلي أو مارلين مونرو. يراقب الشبيه أداء المتشبه به ويحفظ حركاته وسكناته ومشيته ونبرة صوته وطريقة لباسه، ثم يتمرن عليها لأشهر طوال ويخرج على الناس لكي يقلد تشارلي تشابلن، فتعلو القهقهات.
بيتر فولك، أو كولومبو، كان له شبيه فرنسي يدعى مارك غالييه. فلما مات الممثل، حزن الشبيه عليه وكأنه فقد أباه. بل كأنه فقد نفسه وما عاد يعرف كيف يتدبر أمره من بعده. لقد درس غالييه العلوم السياسية وعمل مدرسًا لها. لكنه هجر التدريس وسافر إلى الولايات المتحدة ليتعلم ويتدرب في «ستوديو الممثل»، أشهر مدرسة من نوعها في العالم. وماذا كانت النتيجة؟ وجد الفرنسي نفسه قطرة في بحر من الممثلين القديرين، أو الذين تشفع لهم وسامتهم وعلاقاتهم مع المنتجين. ولم يكن أمامه سوى استثمار موهبة التقليد والشبه الخارجي مع كولومبو. ثم رحل الممثل الأصلي وتركه يتيمًا.
التزم كولومبو المزيف ما يشبه الحداد وغاب عن الأضواء لفترة من الزمن، ثم استجمع موهبته وقرر أن يمنح حياة إضافية لكولومبو. وصار يتلقى العروض من منظمي الحفلات ويحل ضيفًا على برامج التلفزيون. وقد رأيته في المهرجان الصيفي يسير منحنيًا إلى أمام، يرتدي المعطف المطري العتيق ويمسك بين أصابعه ببقايا سيجار منطفئ ويلوّح للحاضرين، بتلك الابتسامة التي تراوح بين الذكاء والبلاهة. يقترب الصغار منه ويلتقطون «السيلفي» ويطلبون توقيعه على دفاترهم. ولم أعرف هل كان يوقع باسم غالييه، أو بيتر فولك، أو كولومبو. ولما انتهى الحفل سار في اتجاه سيارة منقرضة من نوع «بيجو»، هي نسخة ثانية من السيارة العتيقة التي كان يقودها بطل المسلسل والمعروضة حاليًا في استوديوهات «يونيفرسال» في هوليوود.
يقول «إن كل شيء يبدأ من نظرة خاطفة ومن تعليق عابر في الشارع، إذ يحدث أن يستوقفك أحد المارة ويبتسم لك وهو يسألك محرجًا: هل أنت بيتر فولك؟ وفي الصباح التالي تتوجه إلى الحلاق وتطلب منه أن يصفف شعرك على طريقة كولومبو». إن في باريس نقابة للشبهاء تجمع أولئك الذين يكسبون عيشهم من مهنة التقليد. وقد رأست النقابة ممثلة تدعى أوغيت فنفروك، شهرتها أنها الشبيهة الفرنسية للملكة إليزابيث الثانية. وهناك برامج تلفزيونية ومسابقات بين الشبهاء. ومنهم من يبيع خدماته لشركات الإعلان. لكن المنافسة لم تعد شريفة. وقد هزلت بحيث إن الرئيس الأسبق غورباتشوف، الحقيقي لا المزيف، وافق على الظهور في إعلان لحقائب فويتون.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة