مطيع النونو
كاتب سوري
TT

أهالي أنقرة وإسطنبول أعلم بشعابها

الحديث عن الانقلاب التركي الفاشل الذي دخل الأسبوع الرابع، والذي هز المنطقة العربية والإسلامية، له خلفيات متعددة وما زالت، كما أشار الرئيس التركي إردوغان في أحاديثه عن هذا الانقلاب.
إن هذا الحادث قد يكون له علاقة ملتحمة بالحرب العالمية الأولى التي قضت على الإمبراطورية العثمانية وفتتت نظامها التركي، وهي آخر إمبراطورية على الكرة الأرضية.
وفي هذا السياق، وتأكيدًا لاهتمام دول العالم بمنطقة الشرق الأدنى (العربي) جاء في بيان الرئيس الأميركي هاري ترومان الذي تقلد الرئاسة الأميركية خلفًا للرئيس روزفلت، ألقاه بمناسبة يوم الجيش، 6 أبريل (نيسان) 1946م: «في هذه المنطقة (الشرق الأدنى) موارد طبيعية هائلة فضلاً عن أنها منطقة ممر الطرق البرية والمواصلات الجوية والمائية، فهي لذلك بقعة ذات أهمية استراتيجية اقتصادية عظيمة، ولذلك يسهل على المرء أن يدرك كيف أن الشرقين الأدنى والأوسط يمكن أن يصبحا يومًا ما حلبة لمنافسة عميقة بين القوى الخارجية».
لذلك فإن الاتحاد السوفياتي يقيم في منطقة الرقة، شمال سوريا، مع الحدود التركية، ليحافظ على مصنع للغاز يدر عليه موارد مالية ضخمة، وفي منطقة طرطوس الساحلية على البحر المتوسط قاعدة لاستقبال النفط العراقي في أنابيب ضخمة في الصحراء العراقية والسورية لتصديره بإشراف الاتحاد السوفياتي. كما أن للاتحاد السوفياتي قاعدة جوية في مطار الحميميم في جبلة على الساحل السوري المقابل للجبال المنيعة الواقعة على سلسلتي جبال لبنان الغربية والشرقية، للحفاظ على المواقع الاستراتيجية في جبال لبنان.
وهنا أسجل ما قاله أبو الطيب المتنبي شعرًا:
على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ
وتأتي على قدر الكرام المكارمُ
وتعظم في عين الصغير صغارها
وتصغر في عين العظيم العظائم
ومع آخر جندي تركي على الأراضي السورية يوم 30 سبتمبر (أيلول) 1918م طويت صفحة الحكم العثماني في سوريا والعالم العربي والإسلامي وفتحت صفحة جديدة، صفحة تاريخ سوريا الحديث. وبدأت القوات الفرنسية تطلق مدفعيتها بكثافة، وردّت المدفعية السورية عليها بطلقات متقطعة حسب إمكانية سوريا الدفاعية في ذاك التاريخ. وكان يقود البطل السوري يوسف العظمة وزير الدفاع القوات الدفاعية، وكانت ميسلون بداية النكبات في الوطن السوري استمرت ربع قرن، وقال لي الرئيس شكري القوتلي إنه سقط في هذا القتال 25 ألف مقاتل، وتحررت سوريا من الاحتلال الفرنسي.
لذلك تدفعني مهنة الصحافة الشريفة، التي اخترتها برغبة صادقة من الرئيس السوري القوتلي بطل الجلاء السوري، بسبب التطورات السياسية في عالمنا العربي. وكان ذلك عندما فرض الفرنسيون انتدابهم على سوريا ولبنان، وقسموا الوطن السوري الكبير الذي يطلق عليه «بر الشام» إلى خمس مناطق، اسمها دول.
وتنفيذًا لاتفاقية سايكس - بيكو السرية الموقعة بين الدول الثلاث (فرنسا وبريطانيا وروسيا القيصرية عام 1915م) بهدف القضاء على الإمبراطورية العثمانية الملتزمة بالإسلام، حيث حصلت روسيا على اعتراف كل من بريطانيا وفرنسا بأن تكون مدينة إسطنبول التركية والمضايق المائية في تركيا مناطق نفوذ لروسيا، ثم ضمها إلى ممتلكات روسيا القيصرية (!!) وفي المقابل وافقت روسيا على الاعتراف بحقوق بريطانيا العظمى وفرنسا في ممتلكات الدولة العثمانية في المنطقة الآسيوية (من وثائق وزارة الخارجية الروسية، ص107 و109). وكان هذا الاتفاق تحقيقًا لأحلام روسيا القيصرية، وفتح لها المجال للتدخل في شؤون منطقة الشرق الأدنى (العربي). وكانت بريطانيا وإذاعتها في قبرص تتقيد بعبارة «الشرق الأدنى»، لذلك كانت تلك التوزيعات والسيطرة على الدولة العثمانية نتيجة للحرب العالمية الأولى.
وبتاريخ 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 1943م كتبت جريدة «التايمز» اللندنية أن «مجرى الحرب بأكمله قد أظهر لنا بوضوح أهمية الشرق الأدنى (الأوسط)، ولا سيما لبنان من أعظم المناطق الحيوية، فإن أهميتها بالنسبة لنا لا تقتصر على كونها مناطق تقع على خطوط المناطق الحيوية، فإن أهميتها لكونها مناطق تقع على خطوط مواصلاتنا إلى الشرق، ولكن أصبح من الواضح جدًا أنه لمركزها قوة حيوية لأعدائنا من قاذفات قنابل في الجبال المنيعة الواقعة على سلسلتي جبال لبنان الغربية منها والشرقية، مع جميع إمكانات تحصينها تحصينًا قويًا، تستطيع السيطرة فورًا على قناة السويس وعلى حقول البترول في كركوك وخطوط الأنابيب».
ولسوريا موقعها الجغرافي المهم بالصراع بين الشرق والغرب حفاظًا على مصالحهما، باعتبار أن سوريا ملتقى طرق التجارة ولشؤون الترانزيت الدولي ولمرور الجيوش الحربية. فقد نشر الكولونيل تشرشل في عام 1853م مقالاً في الصحف البريطانية تحدث فيه عن أهمية منطقة الشرق الأدنى، قال فيه: «إذا كانت بريطانيا ترغب في الحفاظ على سيطرتها في الشرق، فلها بشكل أو بآخر أن تدخل سوريا ومصر في نفوذها وسيطرتها... لقد كانت عبقرية نابليون على صواب في تقديرها لأهمية هذه البلاد التي عبثًا حاول الاستيلاء عليها ليجعل منها مرتكزًا ومنطلقًا في أعماله الحربية ضد إمبراطوريتنا الهندية، وإذا كانت أسوار عكا تنطوي على مصير أعداء بريطانيا، فمن يجرؤ على القول إن حلم نابليون كان وهمًا وخيالاً، فما قولك بجبال لبنان هذه القلعة الطبيعية الكبيرة القائمة بين العالم؟!».
وكتب لويس أ. فرنشلنغ: «إن منطقة الشرق الأدنى التي تقع جنوب الجهة الروسية الطويلة وشرق ساحات المعارك الصحراوية في ليبيا، وغرب منطقة الصراع الشاسعة في القسم الجنوبي والشرقي من آسيا، تحتل اليوم مركزًا رئيسيًا في الاستراتيجية العالمية، فإن طرق النقل تخترقها برًا وبحرًا، مما يوفر نقل الجيوش والمعدات من جهة إلى أخرى. كما تخترقها أيضًا طرق المواصلات التي تضمن تنسيق العمليات المختلفة لجيوش الحلفاء، ولذا فإن منطقة الشرق الأدنى تعتبر حجر الزاوية من خطط الحلفاء الدفاعية».
* كاتب سوري