في سنة من السنوات ذهبت إلى زيورخ بسويسرا لزيارة ابن عم لي كان يدرس هناك، وبحكم أنه المضيف كان من الطبيعي أن يسألني عن رغباتي، فتفاجأ هو عندما قلت له: أريد فقط أن أذهب للمكان الذي عاشت به (هايدي).
وللمعلومية فهايدي هذه هي مجرد طفلة خيالية، كتبت قصتها (جوهانا سبيري) التي ولدت عام 1827، في قرية (هرزل) قرب زيورخ.
كانت الولايات المتحدة بين أول فتوحات هايدي في العالم، حيث نشرت لها أول ترجمة إنجليزية عام 1884، ومنذ ذلك الوقت اشترى الأميركيون قرابة 15 مليون نسخة من القصة، وفي الولايات المتحدة نفسها تحولت تلك الرواية إلى فيلم سينمائي كانت نجمته الممثلة شيرلي تمبل.
العامان 1974 و1975، اكتشفها ملايين اليابانيين عن طريق مسلسل تلفزيوني استمر عرضه سنة كاملة ويروي قصتها بالرسوم المتحركة.
وعندما عرض ذلك المسلسل في إسبانيا والبرتغال عام 1976، أقبل الناس على شراء كميات هائلة – تكاد توازي ارتفاع جبال الألب – من الدمى والقمصان المطبوعة والكتب والأسطوانات وسواها من المنتجات التي تحمل اسم الطفلة السويسرية، كما ازداد استهلاك الحليب 200%.
وعندما ظهرت القصة عام 1975 على التلفزيون الألماني في البرنامج الثقافي، استقطب ذلك البرنامج نسبة 58% من المشاهدين في ألمانيا كلها بدلاً من نسبته العادية التي كانت تراوح بين 2 و4 في المائة فقط.
وعندما نشرت (جوهانا سبيري) قصتها كانت قد تخطت الخمسين من عمرها، وفي الحال أدرك النقاد أن القصة هي درة بين كتب الأطفال.
غير أنها لم تستمتع بذلك النجاح، إذ توفي ابنها الوحيد، ولحق به أبوه حزنًا بعد أربعة أشهر، وعاشت شبه متنسكة، إلى أن ماتت عام 1901.
ومن المؤكد أنه قبل نشر تلك القصة كانت كتب الأطفال مقتصرة على الطابع التربوي، لكن الطفلة هايدي لا تعتمد الموعظة بل تمارس ما تدعو إليه، إنها لا تعلم الأطفال كيف يتصرفون بل تريهم كيف يجب أن يكون ذلك، وتشدد القصة على وداعة وحب المساعدة والإيمان بالله، وهذه الصفات تجعل منها أفضل مرشد أخلاقي وسلوكي صدر في كل زمان.
وهي في الوقت نفسه رواية مرحة عن مغامرات طفلة جبلية تبعث السعادة حيثما حلت، إنها تواسي الجدة الضريرة وتعلم الراعي العنيد القراءة وتساعد في شفاء الفتاة المشلولة الآتية من المدينة وتوفق أخيرًا إلى إرضاء العجوز الحاقد على الدنيا.
إنها تنشر البهجة في كل مكان حولها، ويبدو أنها تعشق الماعز والمروج والريح، مثلي أنا تمامًا بتمام.
TT
(هايدي) طفلة البراءة
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
