الترفيه المؤسَّس.. ضد «العنف المقدّس»

الترفيه المؤسَّس.. ضد «العنف المقدّس»

الخميس - 18 شهر رمضان 1437 هـ - 23 يونيو 2016 مـ رقم العدد [13722]
فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي

يعتبر الترفيه جزءًا أساسيًا وأصيلاً في وجود الإنسان وحيويّته مع الواقع. فهو يدرّب الذوق، ويساعد على رؤية الأمور بنسبية أكبر، وانعدام الترفيه يجمّد المجتمعات ويحوّلها إلى ركامٍ من البشر الراكضين بحقائق مطلقة من دون تعدد للرؤى ولا تنويع للزوايا التي يرون من خلالها الحياة والشعوب والأمم. فالمسرح على سبيل المثال منصّة لعرض الشخصيات، وإدارة الحوارات. في النص تتوزّع الحقيقة بين الشخصيات، وبالحركة والصورة والإنصات تتفتح للمتابع عوالم أخرى، وفضاءات رحبة. جزء أساسي من مهمة الدولة تهيئة أجواء الترفيه تلك، لهذا وعى الملك سلمان بن عبد العزيز ذلك، فأمر في السابع من مايو (أيار) الماضي بتأسيس «الهيئة العامة للترفيه»، وبزيارة ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان التقى مسؤولي «6 فلاغز» أكبر مجموعة متنزهات ترفيهية في العالم، حيث تضم المجموعة 18 مرفقًا منتشرًا في أنحاء أميركا الشمالية.. تشمل الحدائق الترفيهية والمائية ومراكز ترفيهية للعائلات، وبلغ عدد زوار مرافقها خلال عام 2014 نحو 25 مليون زائر!
الترفيه مفهوم عام، يشمل كل ما يخفف من أعباء الإنسان في الحياة. وحين يكون الترفيه مرتّبًا مرعيًّا ضمن عملٍ مؤسسي، فإنه يساهم في تمتين معنى الدولة، ويغذي المجتمع معرفيًا، ويرفد الجانب التربوي للأجيال الصاعدة، هذا مع كون الترفيه عملاً حيويًا يعنى بالتواصل مع الأشياء والعلاقة مع الآخرين، وصقل الذوق، والتدرب على تحسين الاختيارات، مما يسهم بالقدرة على تقليل مستوى الضغط الاجتماعي المؤذي سياسيًا.
للترفيه نتائجه الكبرى المفيدة تنمويًا، والمعينة على إسهام المجتمع وتفاعله مع السياسي في اتخاذ الإجراءات الصائبة تنمويًا واقتصاديًا واجتماعيًا، فالمجال الترفيهي بقدر ما هو رحب، فإنه يعزز من كفاءة الإنسان في وجوده ومحيطه. جزء كبير من الاحتقان المنتج للتطرف، والهيجان المسبب للاضطرابات الواقعية، وانتشار الظواهر الفجّة أمنيًا وأخلاقيًا سببه الاختناق في الواقع من دون أي نفسٍ ترفيهي، وهذا على المدى البعيد له نتائجه الكارثية سياسيًا. بالترفيه يمكن أن نحمي دولتنا ومؤسساتها، لنتجاوز تاريخية العيش المكرر، حيث اجترار الوقت ومضغه، من دون أي وسيلة تجدد الرؤية، وتصقل الموهبة، وتعين على نوائب الدهر. كل بيئة تخلو من ترفيه مؤسس، تنتعش فيها أعمال العنف المقدّس.
ولنعد إلى أطروحة مهمة لباربرا ويتمر، المعنونة بـ«الأنماط الثقافية للعنف»، ترى الكاتبة فيه «أن الأنماط الثقافية للعنف، هي أشكالٌ من القبول التي تعبّر عنها خطب الرموز والمؤسسات والمعتقدات، والمواقف والممارسات الاجتماعية في الثقافة، ويشير العنف إلى إيذاء أو تدمير الجسد، أو العلاقة التي يقوم بها شخص ضد الآخر، أو جماعة ضد أخرى». ثم تشير إلى دور الثقافة في النأي بالعنف عن أنماطه، إذ «التعبيرات الخلاّقة في المجتمع، هي التي تتجسّد في هندسة البناء والموسيقى والعلوم والمؤسسات التعليمية والفنون التطبيقية».
بالفنون، والترفيه، يمكن تأسيس نمط من الفهم للآخر، وللعالم المختلف، وللثقافات المتنوّعة. تذوي الحقائق الصماء بفضل شمس الفن ونور الترفيه، لأنه يمتاز عن التثقيف بكونه ليس رساليًا أو مباشرًا في تأثيره، بل له مخاتلته، كما أنه مرغوب من أكثرية المجتمع، بعكس النظرية الثقافية أو التغيير بالكتاب والقلم والقصّة. وحين يتأسس مجال رحب مشبع بالترفيه تتصاعد الرغبة في الحياة، وتخفّ عدوى اليأس، ويكسّر جليد المقاومة للآخر، والمعاندة له، ونهبط من عليائنا النرجسية التاريخية إلى الأرض، حيث البشر الآخرون، والأمم المشاركة لنا بهذا الكوكب.
الإنسان كائنٌ ضاحك، يقاوم حيرته بالسخرية، ويباغت وجوده بالحركة والقول، ويؤنس وحشته بالحوار، ويذلّل من أسئلته الكبرى عبر توزيعها على شخصياتٍ تتكوّن منها مسرحيّته في ذهنه ووجوده، ومن المسرح انطلقت الرؤية الحوارية الحقّة، حيث تسلسل الأفكار بين المتحاورين، وتكثيف الرؤى بين الشخصيات المتناورة على المسرح، ولأن المسرح ليس منبرًا، فإنه يعزز من دور المشاهد الحاكم على هذه الصيغة المطروحة، ويناشده أن يشاركه المسرح من خلال عينه، أو ضحكته، تصفيقه أو امتعاضه. ولأن المسرح هو الأب الروحي للفنون، والمنصّة الأكثر سحرًا وإدهاشًا في تاريخ البشر، فيمكن اعتباره أساسيًا في مجال الترفيه. في العصر اليوناني بدأ المسرح متنقّلاً بين المدن بشكلٍ خشبي، إلى أن أصبح لكل مدينة مسرحها، به ينفذ الفكر والشعر، وتطرب الأذن والعين، ويغذّى العقل، هكذا كان الإنسان منذ خمسمائة سنة قبل الميلاد.
الأمير محمد بن سلمان في حوارٍ معه، كانت رؤيته حول الترفيه واضحة فصيحة، حين أجاب: «مستوى دخل السعودي من أفضل دول العالم، لكن المشكلة أنه لا توجد الأدوات التي يستطيع أن ينفق فيها هذا الدخل، بشكلٍ ينعكس على رفاهيته في الحياة». جاءت هيئة الترفيه، وستحطّ الشركات الترفيهية الأجنبية بالسعودية، لصناعة بيئة رحبة، الترفيه ليس ترفًا، بل عصب أساسي ومكوّن رئيسي من دونه لا يكتمل وجود الإنسان الحقيقي، الجذل بالمعرفة، والمرح بوجوده.. وعلى حدّ تعبير نيتشه، فإن الحياة كلها «صراع من أجل الأذواق، والألوان».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو