سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

ليس لونًا

هناك أكثر من أميركا، كما هناك أكثر من روسيا وفرنسا وبريطانيا. وحتى الدول صغيرة الشعوب والمساحة، هي دوائر ضمن دوائر وفئات وطبقات. ويجمع بينها القانون ومفهوم الوطن ووحدة الحاضر والمصير.
وأميركا التي خرجت إلى وداع محمد علي كلاي هي غير أميركا التي لا تزال تسير خلف الدونالد المتوتر، الكرنفالي، العديم الكياسة. كانت جنازة محمد علي كلاي تعبيرًا عن الوعي واللاوعي الإنساني الذي غيَّر بالصمود والمثابرة والشجاعة، سلوك المجتمع الأميركي ومنحى النظام، وأدّى إلى وصول رجل أسود إلى الرئاسة. وبالمناسبة فإن هذا الرجل كان الغائب الوحيد عن جنازة «الأعظم».
كان ثمة عزاء شديد في مظاهر موكبه الأخير، وهو أن الجهل لا يدوم، والقهر لا يدوم، والظلم لا يدوم. أميركا التي غادرها محمد علي أصبحت أفضل ألف مرة من أميركا التي عرفها طفلاً. ليس لأن رئيسها أصبح أسود، بل لأن قلبها أصبح أقرب إلى معاني القلوب وسلوكها. وقد حضرت قبل أيام في نيويورك مسرحية عن الكوميدي «الزنجي» ديك غريغوري، أحد رجال «حركة الحقوق المدنية»، وأحد كتّابي المفضلين. وكنت في الستينات أترجم لـ«ملحق النهار» سخرياته الحادة والجميلة عن أوضاع السود الأميركيين، وكان موعد بدء المسرحية مفاجأة جميلة لي. رجال مثل ديك غريغوري ومحمد علي ولوي أرمسترونغ، حولوا مآسيهم إلى نكات وأغانٍ. وأنشأوا مع الأدباء والشعراء ثقافة خاصة قائمة على محنة العبودية وآثار جراحها العميقة. وفي جنازاتهم، كان السود يرقصون للميت منشدين: «لقد تحرر أخيرًا». وهكذا رقصوا في شوارع لويفيل في وداع كلاي، لكن من دون أن ينشدوا الأغنية، لأنه كان حرًا.
تلعب الثقافة في جميع وجوهها دورًا أساسيًا في عمق التغيير، لا تبلغه السياسة ولا العنف، لأن منبعها في داخل النفس. وهي التي تصهر عشرات الجنسيات التي تكوِّن المجتمع الأميركي وتطوره، وقد حررته من بدائيات وهمجيات الماضي إلى حد كبير. ومن يدري، فربما أدى تهذيب النفوس ذات يوم، إلى انقراض التوحش والتغول والهمجيات في مجتمعاتنا أيضًا. ربما.
ويكون ذلك عندما يتغير مفهوم القوة، كما مع محمد علي كلاي، الذي لم تكن أسطورته في قبضته، بل في روحه، وفي ألمعيته وفي شجاعته الأدبية الكبرى. كان الإسلام بالنسبة إليه خلاصًا روحيًا وعرقيًا ووطنيًا. وبذلك، كان قدوة للأميركيين الذين اختاروا الإسلام دينًا ومرجعًا. وقدموا للعالم ذلك النموذج الذي سارت خلفه أميركا بعيدًا عما يلحق به من موجات ليست فيه.
ذهب محمد علي كلاي إلى التاريخ كملاكم نشر كثيرًا من الهدوء النفسي. وكان الأبيض، أو الأحمر، أو البُني دونالد ترامب، لا يزال يدعو أميركا إلى العنصريات والكهوف. الإنسان ليس لونًا، ولا بشرة.