وصلتني بالبريد الإلكتروني صور للمدرسة التي أمضيت في صفوفها طفولتي وأول صباي. إنها تقع على مدخل جسر الجمهورية من صوب الرصافة، وتطل على ساحة التحرير في بغداد وتقابل جدارية جواد سليم. وبحسب الصورة الملتقطة منذ أيام، فإن المبنى المشيد من الطابوق الأصفر لم يتغير على مدى ما يقارب القرن من الزمان. لكنه بات محاطًا بالجدران الإسمنتية التي تحجب مدخله عن الساحة. أما المنطقة فقد بدت وكأنها ميدان لمعركة ما إن تنتهي حتى تتجدد.
كل الصور المرسلة من بغداد تبعث على الأسى. فلم يسلم البشر ولا الحجر من التشويه. ونحن في أول الصيف. الموسم الذي كان البغادلة يتخففون فيه من المعاطف والسترات ويسير الرجال والنساء بأزياء فاتحة أو ملونة وبهيجة. يتمشون في شارع الكرادة. يمرون بنصب كهرمانة البديع لمحمد غني، وهي تصب الزيت الساخن على الحرامية. كم جرّة من الزيت الحامي تلزمك، أيتها الجارية الآتية من ألف ليلة، لعقاب لصوص هذا الزمان؟
يجتاز السائرون شارع السعدون ويصلون إلى ساحة النصر. كل تسميات شوارعنا ومياديننا فخر وسؤدد. نصر وتحرير وجمهورية ونسور وسباع وفلسطين. تخبو المعاني وتضمحل وتبقى الأسماء على لا مُسمّى. حتى إذا اجتاز المتنزهون الساحة التي شهدت كل المسيرات والمشانق والدبابات، ووصلوا إلى شارع الرشيد، فإنهم أمام أطلال ما عادت تسرّ النظر. قفا نبكِ..
هل من دواء لهذا الطبع السوداوي العنيد الذي يستحضر بغداد في باريس؟ هنا، تمكن فنان فرنسي من إخفاء الهرم الزجاجي الذي يتوسط الساحة الخارجية لمتحف اللوفر. لقد جاء بصورة فوتوغرافية بالحجم الطبيعي للواجهة الشرقية لأكبر متحف في العالم وألصقها على الهرم فلم يعد المارة يرونه بل يتصورون المبنى التاريخي وقد عاد إلى سابق عهده.
ماذا يمكن أن نسمي هذا المشهد؟ هل هو سحر أم خدعة بصرية أم طاقية إخفاء أم عمل تشكيلي؟ لا يجد الفرنجة غضاضة في أن يسمحوا لرسام ينتمي إلى مدرسة فن الشارع، بأن يمد يده إلى النُصب الأثرية والصروح السياحية لكي يضفي عليها لمسته الخاصة. يبعث لها وفدًا من جنيّات الخيال تلاعبها وتحرفها عن الواقع. ويقولون إن المسيو جي إر لا يقصر نشاطه على بلده فحسب، وقد سبق له أن غطى جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية بلوحاته. هل نجح في إخفاء بشاعة الاحتلال؟
لو أن هناك وزيرًا لبيبًا للثقافة لقدم لهذا الفنان دعوة مفتوحة إلى بغداد. والحقّ أن الرسامين هناك لم يقصّروا وقد جاءوا بأصباغهم وحاولوا تغطية الجدران الظالمة التي تقطع أوصال العاصمة. رسموا أزهارًا وشلالات ونخيلاً وبرتقالات وحمائم تمدّ المارة بالأمل. أما الضيف الفرنسي فسيكون عليه استخدام كل سحره لكي يخفي البشاعة التي استعمرت المنطقة الخضراء. في الحكومة. في البرلمان. في مقرات الأحزاب. في المعتقلات السرية. وأن يلوّن الأشباح والكتل السود التي تمشي في الشوارع وتعبر الجسر الذي كان مجلبة للهوى وملعبًا لعيون المها.
كل الذنب في «قفا نبكِ» يقع على البريد الإلكتروني. فقد حطت فيه، أمس، جدارية تمثّل الملك أورنمو، مؤسس سلالة أور الثالثة في بلاد الرافدين، وهو يمسك بأول شرعة في تاريخ البشرية. قوانين سبقت شريعة حمورابي بقرون. جاء فيها: «يمنع الكهنة وكبار الموظفين من استغلال وظائفهم الدينية والحكومية في تحقيق السلطة والثراء على حساب الشعب». هل «يتشاقى» أورنمو معنا أم أنها من أكاذيب الحاسوب؟
11:53 دقيقه
TT
إخفاء عورات بغداد
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
