إخفاء عورات بغداد

إخفاء عورات بغداد

الأحد - 22 شعبان 1437 هـ - 29 مايو 2016 مـ رقم العدد [13697]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.
وصلتني بالبريد الإلكتروني صور للمدرسة التي أمضيت في صفوفها طفولتي وأول صباي. إنها تقع على مدخل جسر الجمهورية من صوب الرصافة، وتطل على ساحة التحرير في بغداد وتقابل جدارية جواد سليم. وبحسب الصورة الملتقطة منذ أيام، فإن المبنى المشيد من الطابوق الأصفر لم يتغير على مدى ما يقارب القرن من الزمان. لكنه بات محاطًا بالجدران الإسمنتية التي تحجب مدخله عن الساحة. أما المنطقة فقد بدت وكأنها ميدان لمعركة ما إن تنتهي حتى تتجدد.
كل الصور المرسلة من بغداد تبعث على الأسى. فلم يسلم البشر ولا الحجر من التشويه. ونحن في أول الصيف. الموسم الذي كان البغادلة يتخففون فيه من المعاطف والسترات ويسير الرجال والنساء بأزياء فاتحة أو ملونة وبهيجة. يتمشون في شارع الكرادة. يمرون بنصب كهرمانة البديع لمحمد غني، وهي تصب الزيت الساخن على الحرامية. كم جرّة من الزيت الحامي تلزمك، أيتها الجارية الآتية من ألف ليلة، لعقاب لصوص هذا الزمان؟
يجتاز السائرون شارع السعدون ويصلون إلى ساحة النصر. كل تسميات شوارعنا ومياديننا فخر وسؤدد. نصر وتحرير وجمهورية ونسور وسباع وفلسطين. تخبو المعاني وتضمحل وتبقى الأسماء على لا مُسمّى. حتى إذا اجتاز المتنزهون الساحة التي شهدت كل المسيرات والمشانق والدبابات، ووصلوا إلى شارع الرشيد، فإنهم أمام أطلال ما عادت تسرّ النظر. قفا نبكِ..
هل من دواء لهذا الطبع السوداوي العنيد الذي يستحضر بغداد في باريس؟ هنا، تمكن فنان فرنسي من إخفاء الهرم الزجاجي الذي يتوسط الساحة الخارجية لمتحف اللوفر. لقد جاء بصورة فوتوغرافية بالحجم الطبيعي للواجهة الشرقية لأكبر متحف في العالم وألصقها على الهرم فلم يعد المارة يرونه بل يتصورون المبنى التاريخي وقد عاد إلى سابق عهده.
ماذا يمكن أن نسمي هذا المشهد؟ هل هو سحر أم خدعة بصرية أم طاقية إخفاء أم عمل تشكيلي؟ لا يجد الفرنجة غضاضة في أن يسمحوا لرسام ينتمي إلى مدرسة فن الشارع، بأن يمد يده إلى النُصب الأثرية والصروح السياحية لكي يضفي عليها لمسته الخاصة. يبعث لها وفدًا من جنيّات الخيال تلاعبها وتحرفها عن الواقع. ويقولون إن المسيو جي إر لا يقصر نشاطه على بلده فحسب، وقد سبق له أن غطى جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية بلوحاته. هل نجح في إخفاء بشاعة الاحتلال؟
لو أن هناك وزيرًا لبيبًا للثقافة لقدم لهذا الفنان دعوة مفتوحة إلى بغداد. والحقّ أن الرسامين هناك لم يقصّروا وقد جاءوا بأصباغهم وحاولوا تغطية الجدران الظالمة التي تقطع أوصال العاصمة. رسموا أزهارًا وشلالات ونخيلاً وبرتقالات وحمائم تمدّ المارة بالأمل. أما الضيف الفرنسي فسيكون عليه استخدام كل سحره لكي يخفي البشاعة التي استعمرت المنطقة الخضراء. في الحكومة. في البرلمان. في مقرات الأحزاب. في المعتقلات السرية. وأن يلوّن الأشباح والكتل السود التي تمشي في الشوارع وتعبر الجسر الذي كان مجلبة للهوى وملعبًا لعيون المها.
كل الذنب في «قفا نبكِ» يقع على البريد الإلكتروني. فقد حطت فيه، أمس، جدارية تمثّل الملك أورنمو، مؤسس سلالة أور الثالثة في بلاد الرافدين، وهو يمسك بأول شرعة في تاريخ البشرية. قوانين سبقت شريعة حمورابي بقرون. جاء فيها: «يمنع الكهنة وكبار الموظفين من استغلال وظائفهم الدينية والحكومية في تحقيق السلطة والثراء على حساب الشعب». هل «يتشاقى» أورنمو معنا أم أنها من أكاذيب الحاسوب؟

التعليقات

احمد العيثاوي
البلد: 
العراق
29/05/2016 - 11:02

بغداد لم تعد بغداد السابقة التي يتغنى الناس بجمالها... يا حسرة

عبد الكريم أثير
البلد: 
بغداد / العراق
29/05/2016 - 11:27

بغدادنا لم تعد كما عهدناها، لقد استبيحت من الوحوش الكاسرة التي جاءت مع المحتل الأجنبي، جائت لتثأر من المدينة التي تنام وتصحو على انسياب نهر دجلة الذي يروي ظمأها كلما عطشت ويحنو عليها كلما ضجرت ويغني لها كلما سكرت، وعندما تنام يحتضنها خوفا عليها، بغداد الآن كل ضلع فيها يشتكي ويئن من الألم، فساحاتها تلوثت بمرض السرطان الذي لم تألفه من قبل وفقدت بغداد عذريتها عندما احتلت من المغتصبين لها من الحاقدين لاسمها ومن شياطين الانتقام الذين انتظروا طويلا ليختطفوها من أهلها، بغداد لم تعد هي كما كانت مدينة جواد سليم وعبد الغني حكمت والرحال والجواهري والسياب والرصافي وجمال الدين والنواب والغزالي والقبانجي وسليمة مراد وجمولي وعمو بابا والبدري وفائق حسن والأورفلي والعطار، ولم تعد مدارس المركزية الغربية المأمونية والراهبات الشرقية، بغداد بالفعل قد انتهكت.

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
29/05/2016 - 18:49

استاذة انعام كجه جى
لقد تاثرت كثيرا بمشاعرك الطيبة التى ابديتيها عن بغداد عاصمة العراق الغالية عليك وعلينا وعلى جميع العرب والمسلمين والحال الذى وصلت اليه اليوم من الدمار والخراب منذ ان غزا بوش الابن العراق مدعيا كذبا ان بها اسلحة نووية , ومما زاد من تاثرى حديثك عن المدرسة التى بدأت فيها حياتك الدراسية منذ الطفولة والصبا والشوارع المحيطة بها ووصفك التفصيلى لها شارعا شارعا بالاسم مما يدل على ان ذكريات الطفولة تظل محفورة فى ذاكرة الانسان مهما طال به العمر , كما تاثرت كذلك من شدة حرصك على الاحتفاظ بمعالم بغداد التى تدل على انها كانت عظيمة فى يوم ما بدليل انك تبحثين عما يحيى جمال تلك المعالم باضفاء لوحات فنية تخفى عيوبها وعوراتها التى تسبب فيها الغزاة ولا يسعنى فى هذا المقام الا ان اضم صوتى لصوتك فليس هناك ماهو اغلى من الوطن الذى نشأ نا فيه

د.اثير الشيخلي
البلد: 
العراق
30/05/2016 - 23:53

لا زلت سيدة السهل الممتنع منذ قرأت اول مقالة لك قبل ما يزيد عن ال 32 سنة !
و كذا رواياتك الشديدة التعرقن (نسبة الى العراق) !

بغداد يا سيدتي ليست تلك الشابة الحسناء التي عرفناها و عشنا في ثنايا جمالها المتفرد الاستثنائي ، بغداد اليوم ، باتت عجوز شمطاء قمطريرة متجهمة ، لا يصلح جي آر ، و لا كوبرفيلد ، و لا حتى الراحلة زها حديد فيما لو بعثت من قبرها ، و لو تعاونوا جميعاً عوارها ،لأن المكان بالمكين ، فلن يصلح بغداد الا اذا عاد البغاّدة الاصليون الى بغدادهم ، و تولوا امرها من جديد ، عندها ستتحقق المعجزة و تنقلب العجوز الشمطاء الى الأميرة الخارقة الجمال سنو وايت لتنهض من نومتها ، بعد ان تحصل على قبلة الحياة من بغدادييها ،و بعد ان يٌكنس اوباش ما حوت القرى الى دمنها !
بغداد ، و اخواتها ، الوحيدة التي انقلب فيها سير الرزنامة معكوساً !

ذو اليراع اللازوردي
البلد: 
فرنسا
31/05/2016 - 16:14

سيدتي، عمت صباحا، وبعد٠ تلميذا في شمعون الصفا للبنين في الساعة، حسبتك بدأً تلميذة كنت في بابل للكلدان للبنات، فأسأت التقدير٠ كل ذا، على اي حال، لسؤالك ان تتحفينا، ان أمكن، بشئ عن طيب الذكر ابونا يوسف كججي، معلم درس الدين٠ مع الشكر سلفآ و دمت

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة