إدمان أدوية الإسهال.. الجنون فنون

إدمان أدوية الإسهال.. الجنون فنون

الجمعة - 5 شعبان 1437 هـ - 13 مايو 2016 مـ رقم العدد [13681]
د. حسن محمد صندقجي
طبيب وباحث سعودي في المجال الصحي

عند دخول عالم الإدمان يغيب المنطق والعقل والتفكير السليم، وتظهر سلوكيات غاية في الغرابة على ذوي الحلم والنُهى. وقد يستغرب البعض، ولكنها حقيقة، أن من أحدث صيحات الإدمان اللجوء إلى تناول أدوية معالجة حالات الإسهال Antidiarrheal بديلاً للأدوية المسكِّنة للألم من فئة مشتقات الأفيون Opioid Painkillers.
وضمن عدد أول مايو (أيار) من مجلة «مدونات طب الطوارئ» Annals of Emergency Medicine، قال الباحثون من مركز شمال ولاية نيويورك للسموم في سيراكيوز بولاية نيويورك، : «إن إدمان تناول كميات وجرعات عالية من دواء إموديوم Imodium، المحتوي على عقار لوبرامايد loperamide، هي مشكلة إدمانية صحية تتنامى بوتيرة عالية في الولايات المتحدة كوسيلة بديلة للمعالجة الذاتية للإدمان على المواد الأفيونية». وكان عنوان الدراسة «إدمان (لوبرامايد) مرتبط باضطرابات نبض القلب والوفاة».
وأفاد د. ويليام إيغلستون الباحث الرئيسي في الدراسة من مركز شمال ولاية نيويرك للسموم، بالقول: «هؤلاء الناس يبحثون إما عن علاج ذاتي لأعراض حالات الانسحاب عن تناول الأدوية المحتوية على الأفيون، أو يبحثون عن بلوغ النشوة، وهم يُعرضون أنفسهم لعواقب قد تكون مميتة جراء تناول جرعات عالية من دواء (لوبرامايد). ودواء (لوبرامايد) أمن إذا ما تم تناوله وفق الجرعات المحددة طبيًا لمعالجة الإسهال، ولكنه خطير جدًا إذا ما تم تناوله بجرعات عالية».
ومصطلح أعراض حالات الانسحاب عن تناول الأدوية المحتوية على الأفيون Opioid Withdrawal Symptoms يُقصد به مجموعة من الأعراض التي يُعاني منها المرء جراء توقفه عن تعاطي تلك المواد الأفيونية إلى حين تعود خلايا الجسم، والدماغ تحديدًا، على عدم تزويد الجسم بها. ولأسباب شتى لا مجال للاستطراد في عرضها، يلجأ بعض المدمنين إلى المعالجة الذاتية للإدمان دون التوجه نحو المرافق المتخصصة في معالجة الحالات تلك وفق طريقة طبية صحيحة.
ولاحظ الباحثون في دراستهم أن في الفترة ما بين عامي 2010 و2011، حصلت مضاعفة بمقدار عشر مرات في محادثات منتديات الإنترنت حول إساءة تناول «لوبرامايد» والإدمان على تناوله، وكان 70 في المائة من تلك المحادثات تدور حول الاستخدام الذاتي لدواء «لوبرامايد» بوصفه وسيلة بديلة لمعالجة أعراض الانقطاع عن تعاطي المواد المحتوية على الأفيون، و30 في المائة حول تأثيرات تناوله بجرعات مفرطة في الحصول على النشوة. وهذا كان له عواقب واقعية سيئة، إذ لاحظ الباحثون أنه في الفترة ما بين عامي 2011 و2014 حصلت قفزة وارتفاع بنسبة 71 في المائة في المكالمات التي تلقتها مراكز مراقبة السموم بالولايات المتحدة حول إساءة تناول واستخدام دواء «لوبرامايد» وطلب المعونة من المختصين في تلك المراكز حول كيفية التعامل مع الحالات الإدمانية تلك. وهو ما علق عليه الدكتور إيغلستون بالقول: «دواء (لوبرامايد) من السهل الحصول عليه، ومنخفض التكلفة المادية ويُباع في الصيدليات دونما حاجة إلى وصفة طبية ومتعاطيه لا تُصيبه وصمة العار الاجتماعية إذا ما لوحظت بحوزته، وهي كلها عوامل تُسهل اللجوء إليه للإدمان عليه في بلوغ النشوة والمتعة. ونظرًا لصعوبة الحصول على مسكنات الألم المحتوية على المواد الأفيونية، فإن المدمنين يبحثون عن بدائل توفر لهم ما يسعون إليه».
من جانبه، علق الدكتور سكوت كراكوير، الطبيب المتخصص في الإدمان في مؤسسة نورثويل الصحية في نيويورك، بالقول: «(لوبرامايد) مادة ذات أصول أفيونية تعمل على الالتصاق بمستقبلات خاصة ضمن تراكيب جدران الخلايا الدماغية، ويُمكنها التسبب بحصول حالات من النشوة وارتفاع المزاج، وهو ما يتطلب تناول ما بين 50 إلى 300 قرص دوائي منه يوميًا».
ويُفيد المعهد الوطني الأميركي لتعاطي المخدرات National Institute on Drug Abuse أن «من الضروري فهم الإدمان وإساءة استخدام الأدوية. وكثير من الناس لا يفهمون لماذا أو كيف يمكن لبعض الناس إدمان المخدرات، وغالبا ما يُفترض خطأ أن متعاطي المخدرات يفتقر إلى المبادئ الأخلاقية أو قوة الإرادة وأنه يمكن أن يتوقف عن تعاطي المخدرات ببساطة عن طريق اختيار تغيير هذا السلوك، ولكن في الواقع، فإن إدمان المخدرات هو مرض معقد، والإقلاع عنها يحتاج إلى أكثر من النيات الطيبة أو إرادة قوية، ذلك لأن المخدرات تغير الدماغ بطرق تعزز التعاطي القهري للمخدرات، مما يجعل الإقلاع عنها أمرًا صعبًا، حتى بالنسبة لأولئك الذين هم على استعداد للقيام بذلك. وتعاطي المخدرات والإدمان بأنواعه، له عواقب سلبية على الأفراد والمجتمع، وتتجاوز تقديرات التكاليف الإجمالية الشاملة لتعاطي المخدرات في الولايات المتحدة، بما في ذلك الإنتاجية والصحة والتكاليف ذات الصلة بالجريمة، ما يربو على 600 مليار دولار سنويًا».
وما طرحه الباحثون أخيرًا يكشف جانبًا من تشعب المشكلة وكيفية دخول عملية الإدمان في متاهات اللجوء والبحث عن عناصر جديد تعطي المدمن ما يبحث عنه. وكثيرة هي الأدوية التي يُؤدي تناولها بشكل خاطئ إلى عواقب صحية سلبية كثيرة. ولذا تظل الوقاية هي المفتاح، كما تقول نشرات المعهد الوطني الأميركي لتعاطي المخدرات. وتضيف: «الإدمان على المخدرات هو مرض يمكن الوقاية منه. وقد أظهرت نتائج الأبحاث الممولة من المعهد الوطني أن برامج الوقاية بإشراك الأسر والمدارس والمجتمعات المحلية ووسائل الإعلام، هي فعالة في الحد من تعاطي المخدرات. وعلى الرغم من أن العديد من الأحداث والعوامل الثقافية تؤثر على اتجاهات تعاطي المخدرات، فإن رؤية الشباب لأضرار تعاطي المخدرات تساعد في وقايتهم منها. وهكذا، والتعليم والتوعية هما وسيلتان رئيسيتان في مساعدة الشباب وعامة الناس على فهم مخاطر تعاطي المخدرات، ولذا يجب على المعلمين وأولياء الأمور والمهنيين الطبية الاستمرار في إرسال رسالة مفادها أن إدمان المخدرات يمكن منعه».


*استشاري باطنية وقلب
مركز الأمير سلطان للقلب في الرياض
[email protected]


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة