إرهابيو العالم الأوائل

إرهابيو العالم الأوائل

الاثنين - 24 رجب 1437 هـ - 02 مايو 2016 مـ رقم العدد [13670]
مايا جاسانوف
أستاذة التاريخ في «هارفارد»

كان الليل قد أقبل ذات مساء في فبراير (شباط) عام 1894، عندما سمع حارس عقار في غرينتش بارك، على أطراف لندن، صوت فرقعة. هرع نحو مصدر الصوت، ليرى شابا جاثيا على ركبتيه، مبقور البطن وقد خرجت أحشاؤه. حددت الشرطة هوية الضحية، كان رجلا فرنسيا اسمه مارسيال بوردان، على صلات بناد معروف للأناركيين الفوضويين. ومن الواضح أن الشرطة خلصت إلى أن الرجل كان في طريقه لتفجير مرصد غرينتش في لندن. كان هدفا رمزيا: موقع الزوال الرئيسي، ومركز خط الطول الرئيسي في العالم.
لقد هز بوردان مركز العالم، لكن ليس بالطريقة التي كان ينوي ذلك بها؛ حيث حددت «الأناركية» في تسعينات القرن التاسع عشر العصر الأول للإرهاب العالمي، ثم الآن يدفع المهاجرون والحريات المدنية الثمن.
اليوم تبدو «الأناركية» غير ضارة، وشبه غريبة، وشيئا ربما تربطه بالهيبز السابقين، والمنعزلين أصحاب الرؤوس الشعثة الذين يضعون كتابات مناهضة للسلطة القائمة. لكن في أوجها، كانت «الأناركية» تروج لرؤية تلقى رواجا واسعا، لمجتمع حر بلا دولة. وتبنت الوفود في الكونغرس الأناركي الدولي في 1881 استراتيجية «البروباغندا بالأفعال» – باختصار الإرهاب – لتحقيق هذه الرؤية.
إن هجوما واحدا كان يمكن أن «يصنع بروباغندا أكثر من آلاف المنشورات»، كما قال الفيلسوف الأناركي بيتر كروبوتكين، وقد نفذ الأناركيون عشرات من الهجمات. ارتكبوا سلسلة من الاغتيالات الكبرى، التي لا يمكن تخيل تنفيذ مثلها اليوم، كقتل الرئيس الأميركي والرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء الإسباني، وملك إيطاليا وإمبراطورة النمسا والمجر، في أقل من عقد من الزمن.
لكن القنابل هي ما كان لها وقع صدمة أكبر. لقد حول الأناركيون المسلحون بالديناميت، الذي أجيز حديثا، وهو أول سلاح دمار شامل يتاح على نطاق واسع، حولوا مواقع البرجوازية الاجتماعية – كمقهى صاخب في باريس، ومطعم للبيتزا في روما، ودار أوبرا في برشلونة – إلى مشاهد قتل صارخة.
ردت المجالس التشريعية في أنحاء أوروبا والولايات المتحدة بتعزيز قوى الشرطة وتمرير قوانين لإبعاد الأناركيين أو حرمانهم من الدخول.
كانت بريطانيا الاستثناء الوحيد، وهي التي كانت تزهو بنفسها باحترامها تقاليد اللجوء والحريات المدنية، تجمع مطاريد الأناركيين في لندن، نسبيا من دون إزعاج من الشرطة.
وكذلك فعل الآلاف دونهم من المهاجرين الأوروبيين، وهم بالأساس يهود أوروبا الشرقية الفارون من الاضطهاد في روسيا. ومن 1881 إلى 1901 قفز عدد الروس والبولنديين في لندن من أقل من 9 آلاف إلى أكثر من 53 ألفا، ما أثار ردة فعل وطنية، وأدان الناشط المناهض للهجرة، ويليام هنري ويلكينز «غزو الغرباء» هذا، زاعما أنه حول أجزاء من لندن إلى «مدينة أجنبية».
من الناحية العملية، كانت حشود المهاجرين والحفنة من الأناركيين مختلفة تماما. لكن لأن الناس كان يعتقدون – كما ظلت جرائد التابلويد والروايات المثيرة تذكرهم – أن بعض الأجانب ربما كانوا من الثوريين الذين يلقون القنابل، ومن ثم فلم يفكروا بعقلانية في الفوارق بين الجماعتين. لقد رأوا من وصفهم ويلكينز بـ«الأجانب المعوزين والدهماء» يجلبون الفقر والرزيلة والجريمة.
بعدئذ وقع هجوم غرينتش، وبدا أنه يؤكد الصلة التي كان أنصار الدفاع عن الهوية الوطنية يشتبهون في أنها قائمة بين الأجانب والعنف. داهمت الشرطة ناديا للأناركيين الألمان في سوهو، وألقت القبض على الإيطاليين المشتبه في قيامهم بتصنيع القنابل. اقتحم مئات المحتجين موكب جنازة بوردان، وكانوا يهتفون: «لا قنابل هنا!.. عودوا إلى دياركم!».
وبينما كان الهجوم لا يزال حاضرا في الذاكرة، قدم زعيم حزب المحافظين، اللورد ساليسبري، قانونا برلمانيا لتقييد الهجرة. أقر ساليسبري أن البريطانيين «لطالما كانوا يحبون أن يعتبروا هذه الجزيرة ملاذا وملجأ لأولئك المهزومين في النضال السياسي»، لكن فكرة حادثة غرينتش «تسببت في تغيير كامل بتلك الفكرة عن اللجوء السليم». كان هناك إرهابيون وكان هناك لاجئون أيضا، ومن ثم فلا ينبغي أن يسمح بدخول اللاجئين.
كان ساليسبري مخطئا؛ فلم يكن ثمة دليل على أن «إنجلترا إلى حد بعيد هي المقر والقاعدة، التي يجري انطلاقا منها تنفيذ العمليات الأناركية»، كما كان قد قال، بل ما كان هنالك شيء يذكر لعقد صلة بين الأناركيين واللاجئين اليهود. إن شحذ الخوف من الأناركيين للترويج للقيود على الهجرة أدى لإحراز مكاسب سياسية، لكنه كان سياسة في غاية السوء.
إذا كان السلم العام هو الهدف فعلا، فإن سد الأبواب دون أبناء القارة من الأوروبيين يكاد لم يحقق أي شيء. وكما عرف ساليسبري، فقد جاء التهديد الإرهابي الأكبر إلى حد بعيد من الرعايا البريطانيين أنفسهم، وهم القوميون الآيرلنديون. في ثمانينات القرن التاسع عشر، نسف الثوار الآيرلنديون قطار الأنفاق في لندن، وبرج لندن ومجلس العموم، وتسببوا في قدر من المذابح أكبر بكثير مما أقدم عليه الأجانب على الإطلاق.
كان من المفترض أن تكون قنبلة بوردان الواقعة الوحيدة التي يتورط فيها الأناركيون في التاريخ البريطاني، ولم ينجح الأناركيون (على خلاف الشيوعيين) في الإطاحة بالحكومات. وفي وقت لاحق بدت هذه القنبلة لجوزيف كونراد، الذي استخدم الحادثة كمصدر إلهام لروايته الصادرة عام 1907: «العميل السري»، «حماقة وتفاهة ملطخة بالدم، وتبلغ من السخافة مبلغا يجعل من المستحيل إدراك منبتها بأي عملية من التفكير العقلاني أو حتى غير العقلاني».
لكن هذا لا يعني القول إن الأناركية لم يكن لها أي تأثير.
لقد ساهمت الأناركية في صياغة القيود على الهجرة في العصر الحديث في أنحاء أوروبا والولايات المتحدة. كما دفعت إلى تعزيز الأداء الشرطي الدولي، عندما اجتمع عملاء العدالة الجنائية في 1914 من أجل التصدي لتهديد الأناركية، وشكلوا ما صار «الإنتربول» أو البوليس الدولي الذي نعرفه اليوم. لقد تركت أثرا محفورا في العقول الغربية عن الأجانب والإرهاب الذي يمكن أن ننزلق إليه من دون تفكير تقريبا.
لكن كان هناك ثمن لتشديد الإجراءات الشرطية والرقابة على الحدود. وقد حذرت الكاتبة البريطانية لويزا بيفينغتون، التي استشرفت ظهور إدوارد سنودون، قبل ما يزيد على قرن من الزمن، بني وطنها في 1895 من التطفل الشرطي على «اللاجئين الأجانب الذين لا أصدقاء لهم» معتبرة أنه «ليس إلا نذيرا بتعرضهم هم للاعتداء على حرياتهم».
في 1905، أتم البرلمان ما بدأه ساليسبري بتمرير «قانون الأجانب»، الذي قيد الهجرة للمرة الأولى في تاريخ بريطانيا.
ومن منطلق اعترافه بالدور التقليدي لبريطانيا كملاذ للاجئين، فقد تضمن القانون الجديد بندا يتعلق باللجوء، أراد الليبراليون أن يترجموه بأقصى قدر من الصياغة الفضفاضة ليشمل أي شخص يواجه «خطرا على حياته، أو جسمه، أو حريته». واتخذ المحافظون موقفا مناهضا من هذه الصياغة. ألا يواجه تقريبا كل شخص في العالم خطرا يهدد حريته، استنادا إلى المعايير البريطانية؟ لم يكن بمقدور بريطانيا أن تقبل بالجميع، ومن ثم فقد تلقت كلمة «الحرية» ضربة.
إن هذا هو نوع النقاش الدائر اليوم، في أعقاب الهجمات الإرهابية في باريس وبروكسل. الأمور تتغير بمرور الزمن، كما يمكن أن يقول بوردان.


* أستاذة التاريخ في «هارفارد»
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة