كثير من الممارسات الصحية قريبة منا، فوق ما نتوقع، والشعور بأن الاهتمام بالصحة يتطلب نقلة كبيرة في سلوكيات الحياة اليومية، كالانتقال من قارة إلى قارة، هو أمر لا علاقة له بالصواب. وهناك كثير مما يُمكن فعله بما يجمع بين الاستمتاع بالحياة اليومية ورفع مستوى الصحة، ولكن يغيب عنا ذاك الكثير من القريب.
البستنة Gardening أحد الأنشطة التي تُصنف طبيا اليوم ضمن مجموعة الأنشطة الحياتية اليومية كـ«شريك صحي»، لأنها تجعل المرء يدخل بسهولة ودون عناء إلى عالم الحفاظ على الصحة مع توفيرها فرصة للاستمتاع والترفيه ومشاركة أفراد الأسرة بالتواصل والبهجة. وضمن عدد أبريل (نيسان) من مجلة المؤسسة القومية الأميركية للصحة «أخبار في الصحة» NIH News in Health، عرض الباحثون من المؤسسة رؤيتهم في كيفية جعل الصحة أفضل بالاستفادة من الأنشطة المرتبطة بزراعة النباتات المنزلية وجني ثمارها من الخضراوات والفواكه.
والعرض كان بالأساس مبني على نتائج عدد من الدراسات الطبية الحديثة التي تناولت بالبحث العلمي الجاد التأثيرات الصحية الإيجابية المحتملة لممارسة المرء نشاط البستنة والزراعة المنزلية. وقال الدكتور فليب سميث: «البستنة لها فوائد صحية متعددة، بممارستها يخرج المرء وينشط أكثر ويجلس أقل ويخف عنه التوتر النفسي». والدكتور سميث معروف أنه بستاني عريق طوال عمره إضافة إلى منصبه العلمي كرئيس اللجنة المشرفة على بحوث السمنة في المؤسسة القومية الأميركية للصحة NIH، ويُضيف: «البستنة أيضًا تساعد المرء على تحسين مستوى نوعية تغذيته إذا ما أسهمت في إقباله أكثر على تناول الخضراوات والفواكه الطازجة، وهي أطعمة لذيذة جدًا وغنية بالنكهة حينما تنضج ويتم قطافها طازجة».
وما تتفق عليه المصادر الطبية أن الفواكه والخضراوات هي بالأصل «عُبوات غذائية» عامرة بالألياف والمعادن والفيتامينات واحتوائها بكميات معتدلة من الدهون غير المشبعة والبروتينات والسكريات الطبيعية غير المكررة صناعيًا، إضافة إلى تدني محتواها من الأملاح الضارة وخلوها تمامًا من الكولسترول. وأظهرت الدراسات الطبية بشكل متكرر أن تناول الخضراوات والفواكه ضمن تشكيلة الوجبات الصحية يُقلل من مخاطر الإصابة بالأمراض المزمنة، وعلى وجه الخصوص أمراض شرايين القلب والسكتة الدماغية وأنواع شتى من الإصابات السرطانية. ومن أبسط فوائدها السريعة، عمل الألياف فيها على تسهيل عمل الجهاز الهضمي وعملية الإخراج إضافة إلى خفض امتصاص الأمعاء لسكر الغلوكوز وللكولسترول. كما أن تناول الخضراوات والفواكه الطازجة يُساعد في خفض وزن الجسم عبر آليات متعددة لا مجال للاستطراد في عرضها.
وإضافة إلى الفواكه والخضراوات ضمن الباقة النباتية، هناك البقول والحبوب، وهناك أيضًا التوابل والأعشاب والورقيات التي فوق كونها غذاء هي أيضًا تُعطي نكهة وطعمًا يُساعد في إعطاء طعم شهي للأكل ويُغني عن كثرة إضافة الملح إلى الطعام. كل هذا يحصل المرء عليه بدخول كميات قليلة من كالوري السعرات الحرارية عند تناول الخضراوات والفواكه.
وممارسة المرء للبستنة المنزلية على وجه الخصوص، يرفع من مستوى الصحة النفسية. ووجد عدد من الدراسات الطبية أن نشاط المرء بدنيًا في البيئة المحيطة به وخروجه من البقاء المزمن في الغرف والصالونات المنزلية إلى الحديقة يُسهم في تحسين مستوى المزاج ويُقلل من الشعور بالقلق ويرفع من مستوى الرضا عن الذات. وهو ما علق عليه الدكتور سميث بالقول: «زراعتك للخضراوات وقيامك بالحفر في التربة وعنايتك بالنباتات والأشجار -وتقليمها وإزالة الأعشاب الضارة عنها- يجعلك تنشط بدنيًا أكثر ويرفع مستوى مهاراتك الاجتماعية ويجعلك أيضًا تشعر بالعافية والارتباط أكثر بالأرض». وبقيام ربّ الأسرة في منزله بهذا النشاط، يُسهم في جعل الأطفال يُقبلون على تناول الخضراوات والفواكه وحرصهم على ذلك، وعدد من الدراسات الطبية لاحظ في نتائجه أن إشراك الأطفال في تلك الأنشطة كالبستنة والذهاب إلى سوق الخضراوات مع الوالدين يزيد من إقبالهم على تناول الخضراوات والفواكه وجعلها «صديقا غذائيا» لهم ضمن وجبات طعامهم اليومي، إضافة إلى تنمية مهارات تواصلهم ومشاركتهم الاجتماعية.
وقد وجدت بعض الدراسات أن الأطفال المشاركين في برامج الحدائق يميلون إلى اتخاذ خيارات غذائية صحية، وإلى تناول مزيد من الفاكهة والخضراوات، وتحسنت لديهم المهارات الاجتماعية. ويعلق الدكتور سميث بالقول: «زراعة الحدائق المنزلية يمكن أن تساعد الأطفال الصغار على التعلم عن النمو ورعاية الأشياء، وقد يجدون بها المتعة في تناول الفواكه والخضراوات التي أسهموا وتابعوا نموها بأنفسهم، وبالتالي يحبون تناول الأطعمة التي يُقال لهم أنها صحية».
والواقع أن البستنة المنزلية ذات شقين، شق متعلق بالنشاط البدني والانشغال المفيد بها عن التفكير في توترات الحياة اليومية، وشق متعلق بقرب النفس من النباتات وثمارها. وحرص المرء على الاهتمام بالزراعة سواء كان في المنزل أرض مخصصة للحديقة أو ممارسة البستنة باستخدام الأوعية الزراعية المنزلية، يُعطيه مساحة إضافية للنشاط البدني غير المرهق وغير المُكلّف. وجانب القرب من الخضراوات والفواكه عبر متابعة نموها وانتظار وقت قطافها، وخاصة من قبل الأطفال، يجعلهم ينظرون بطريقة جديدة وأكثر إيجابية نحو تناولها وجعلها ضمن وجبات طعامهم اليومي.
* استشاري باطنية وقلب
مركز الأمير سلطان للقلب في الرياض
[email protected]
11:9 دقيقه
TT
البستنة المنزلية.. شريكنا الصحي
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
