حينما يجمع القائد مرؤوسيه أو أتباعه ويلقي عليهم خطبة عصماء في محاولة منه «لشحذ هممهم»، ثم يصفق له ذلك الحشد إعجابًا فهذا ليس دليلاً كافيًا يظهر أنه قائد فعّال. فوفق نظرية القيادة الموقفية Situational فإن القائد المؤثر هو من يعطي كل فرد ما يستحقه من دعم وتشجيع ومؤازرة لا أن يفترض أن الجميع لا ينقصهم سوى أمر واحد كخطبة حماسية أو مبلغ من المال. فليس معقولاً، مثلاً، أن يجمع وزير أو مدير عام شركة كل الموظفين كلما تدنى الأداء العام ليحمسهم؛ ذلك أن الباحثين هيرسي وبلانشارد اكتشفا بعد دراسات عدة أن الناس تنقسم في حاجاتها. فلا يستقيم أن أساوي «بجرعة تشجيع» واحدة بين المتدرب المتراخي والخبير الضليع في عمله.
ولذلك جاءت هذه النظرية بأربعة أنماط بحسب الموقف. فمثلاً قد يضطر القائد إلى ارتداء قبعة «التوجيه» عندما يشعر أن من أمامه يحتاج توجيهًا مباشرا وليس مساندة أو تعاطفا. وأحيانًا يرتدي القائد قبعة «الكوتشنغ» coaching أي يلعب دور المساند والموجه لأتباعه حينما يجدهم في موقف يقتضي ذلك. وأحيانًا يرى المسؤول أنه أمام حاجة ملحة لنمط «المساندة» البحتة، أي لا يركز على النتائج بقدر ما يحاول أن يخرج مهارات الموظفين ليتفانوا في أدائهم. وهنا تتجلى أبهى صور ممارسة فضيلة الإنصات لفهم الناس ومعرفة كيف يمد يد المساندة اللازمة.
أما النمط الأخير فهو حينما يرتدي القائد قبعة «التفويض» فيترك حبل المهمات على الغارب ليديرها أتباعه لأنهم لا يحتاجون إلى توجيه دائم ولا مساندة معنوية مستمرة، بل مجرد مساحة من التفويض يتحركون في إطارها ليظهروا مواهبهم وقدراتهم.
ومن هذا يتضح أن القائد الحقيقي تبرز شخصيته في الأزمات أو عند وقوع مشكلة فيهب مسرعًا لحلها بحسب مقتضيات الموقف والشخص الذي أمامه. ألا نرى مثلاً كيف يكون المسؤول حليمًا على شخص وقاسيا على آخر بحسب الموقف ومناخه. فالقائد مثل ربان السفينة لكي يضمن أن يرسو بها إلى بر الأمان لا بد أن يتعامل مع أفراد طاقمه بحسب مقتضيات الموقف.
صحيح أن هذه النظرية لم تحظَ بأبحاث علمية كثيرة توازي أعداد الدراسات التي أجريت على نظريات أخرى في القيادة لكنها تظل أسلوبًا عمليًا يتماشى مع الفطرة البشرية التي تؤكد لنا أن المرء يجب ألا يكون صلبًا دائمًا فيكسر أو لينًا فيعصر!
8:27 دقيقه
TT
القيادة حسب الموقف!
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
