د. حسن محمد صندقجي
طبيب سعودي واستشاري قلب للكبار بمركز الأمير سلطان للقلب في الرياض
TT

الأطفال وتأثيرات ألعاب الفيديو

رغم انزعاج بعض الأمهات والآباء من إقبال الأطفال، وخاصة الذكور منهم، على ألعاب الفيديو وخوفهم من تأثيرات ذلك الإقبال صحيًا على جسم ونفسية الطفل، فإن نتائج الكثير من الدراسات الطبية النفسية والسلوكية الحديثة تفيدنا بما لا يُعطي مبررات لذلك الانزعاج الكبير من قبل الوالدين. ولكنها تشير في نفس الوقت إلى أن المدة الزمنية الطويلة ونوعية محتويات تلك الألعاب هي بالفعل جوانب تحتاج إلى اهتمام من قبل الوالدين.
وأخيرا، أجرى الباحثون في كلية كولومبيا ميلمان للصحة العامة بنيويورك مع الباحثين من جامعة باريس ديكارت تقييمًا للعلاقة بين كمية الوقت الذي يقضيه الطفل في ممارسة ألعاب الفيديو ومستوى الصحة العقلية والمهارات المعرفية والاجتماعية لديه، ووجدت الدراسة أن ممارسة ألعاب الفيديو قد تكون لها آثار إيجابية على الأطفال الصغار. ووفق ما تم نشره في دورية الطب النفسي الاجتماعي والأوبئة النفسية «Journal Social Psychiatry and Psychiatric Epidemiology»، راجع الباحثون البيانات من المشروع الأوروبي للصحة النفسية لأطفال المدارس School Children Mental Health Europe Project في ست من بلدان الاتحاد الأوروبي، وتراوحت أعمار الأطفال ما بين 6 إلى 11 سنة، والتي جرى فيها تقييم صحة الطفل العقلية من قبل الآباء والمعلمين باستخدام «استبيان القوة والصعوبات» Strengths and Difficulties Questionnaire، وأيضًا من قبل الأطفال أنفسهم باستخدام «اختبار دومينيك التفاعلي» Dominic Interactive، وهو اختبار على هيئة استبيان تصويري خاص، أقرب إلى لعبة الفيديو، لتقييم إدراك الطفل لأعراض معينة كوسيلة حاسمة لتحقيق التوازن بين تصور أولياء الأمور والمدرسين وتصور الطفل.
وتبين للباحثين أن نحو 20 في المائة من الأطفال يلعبون ألعاب الفيديو أكثر من 5 ساعات في الأسبوع، أي بمعدل أقل من ساعة في اليوم. وارتبط استخدام الطفل ألعاب الفيديو، بأقل من ساعة في اليوم، بارتفاع وظائف الذكاء بمقدار 1.77 (واحد فاصلة سبعة وسبعين) مرة وبارتفاع الكفاءة المدرسية العامة بمقدار 1.88 (واحد فاصلة ثمانية وثمانين) مرة وانخفاض مستوى مشاكل الطفل مع الأقران في المدرسة. ولذا علق الباحثون في استنتاجات الدراسة، أن لعب ألعاب الفيديو لها آثار إيجابية على الأطفال الصغار، ومن الضروري مواصلة البحث لمعرفة وفهم آليات تحفيز ألعاب الفيديو لتلك العناصر الإيجابية.
وكانت دراسة سابقة للباحثين من جامعة أكسفورد، شملت نحو خمسة آلاف طفل ومراهق من الجنسين في بريطانيا وتراوحت أعمارهم ما بين 10 إلى 15 سنة، قد أفادت نتائج مقاربة ومؤيدة. ووفق ما تم نشره في عدد 4 أغسطس (آب) 2014 من مجلة طب الأطفال Pediatrics، فإن ممارسة الأطفال ألعاب الفيديو لأقل من ساعة في اليوم يرتبط باعتدال أفضل لهم مقارنة مع الأطفال الذين لا يلعبونها والأطفال الذين يُمارسون لعبها لثلاث ساعات أو أكثر في اليوم.
وطالما كانت المدة الزمنية اليومية في ممارسة ألعاب الفيديو لا تتجاوز الساعة، فإن ذلك ربما يكون إيجابيًا، فيما يبدو حتى الآن من نتائج الدراسات المتوفرة، والإشكالية تبقى في زيادة المدة الزمنية. ووفق ما تم نشره ضمن عدد مارس (آذار) 2015 من مجلة «علم النفس من وسائل الإعلام الثقافة الشعبية» Psychology of Popular Media Culture، فإن الباحثين من جامعة أكسفورد لاحظوا من خلال نتائج دراستهم أن سوء سلوكيات الطفل مرتبطة بالمدة الزمنية التي يقضيها الطفل في ممارسة ألعاب الفيديو. وتحديدًا أفادوا أن قضاء الطفل ثلاث ساعات أو أكثر يوميًا في لعب ألعاب الفيديو مرتبط بفرط الحركة والنشاط والانخراط في مشاجرات مع الأقران في المدرسة واللامبالاة بالتحصيل الدراسي.
وتشير الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال إلى أن وسائل الإعلام المرئية كالكومبيوتر وألعاب الفيديو والتلفزيون والهواتف الجوالة وغيرها من الأجهزة الإلكترونية، تسترعي اليوم انتباه الأطفال طوال الوقت، وأنه وفق الإحصائيات الحديثة فإن الأطفال يقضون بالمتوسط سبع ساعات في اليوم أثناء مشاهدة شاشات عرضها، ولمساعدة الأطفال على جعل اختياراتهم ملائمة من «الوجبات المرئية» تلك فإن على الوالدين مراقبة الأمر، وأن الدراسات الطبية لاحظت في نتائجها أن انشغال الطفل لوقت طويل بمشاهدة تلك الوسائل الإعلامية المرئية يُؤدي إلى صعوبات في الانتباه وصعوبات في التحصيل الدراسي وصعوبات في النوم ونشوء اضطرابات في الأكل والسمنة، إضافة إلى تعلم السلوكيات الخطرة.
والملاحظ أن الأطفال يُقبلون على ممارسة ألعاب الفيديو، ويجدون متعة فيها، وعلى الوالدين أن يكونا قريبين من الأطفال في ذلك. وهناك منها ما يُناسب الأطفال والصغار وما يُناسب الأطفال والمراهقين الأكبر سنًا، والاعتقاد دونما مبرر أنها ضارة على الطفل وسلوكياته المدرسية والاجتماعية شأن يحتاج إلى تأن، والمهم هو عدم انشغال الطفل فيها طوال الوقت وعدم اكتفاء الطفل بتلك الوسائل الترفيهية واستغنائه عن الوسائل الترفيهية التي تتطلب منه بذل المجهود البدني، كأنواع شتى من الألعاب الرياضية. كما أن من المفيد للطفل عدم دفعه إلى قضاء وقت أطول في ممارسة تلك الألعاب لأي سبب كان، بل تلبية شيء من رغباته في لعبها وأيضًا تعويده على مشاركة بقية أفراد الأسرة في الأنشطة الأسرية والاجتماعية إضافة إلى ممارسة الألعاب الرياضية.
* استشاري باطنية وقلب
مركز الأمير سلطان للقلب في الرياض
[email protected]