كان من مظاهر الحياة الاجتماعية في بغداد «الجراديغ» المصنوعة من الحصير على شواطئ دجلة صيفًا. كان عالمًا خاصًا بنفسه. الانبطاح على الرمل، وشي السمك المسقوف، والاستماع للأغاني. لم تكن حياة بسيطة فقط؛ بل واحتضنت نوعًا من الديمقراطية؛ فقد كان صغار القوم وكبارهم يقيمون «الجراديغ» نفسها، ويختلطون ويجتمعون حول الموائد نفسها التي حرمها اليوم المتشددون الطائفيون.
كان لرئيس الحكومة نديم الباجه جي جرداغه، وعلى مسافة قصيرة منه أقام السيد عبد الودود، المعلم في مدرسة العوينة، جرداغه، وبجانبه جرداغ موشي أبو حسقيل التتنجي في الشورجة. لا أحد يسأل شنو مذهبك وشنو اسمك. إنه عالم الجراديغ. النساء والأطفال يتجولون بكل سلام وطمأنينة. يتركون الجراديغ صباحًا.. يذهبون لأشغالهم، ويعودون مساء، فيجدون كل شيء في مكانه.
نبهت الشرطة مدير ناحية الكرادة بأن نديم الباجه جي قد أقام جرداغه على الشاطئ المقابل للدورة.. قالوا هذا شيء غير صحيح. رئيس الحكومة قاعد في جرداغ وقد ينام فيه دون أي حرس.. ربما على الأقل سكارى يأتون ويدخلون ويعتدون ورئيس الحكومة لا يدري ماذا يفعل. قالوا هذا شيء غير جائز، فأخبروا كاتب الناحية عبد الكريم الياسري وطلبوا منه أن يتصل بضابط الشرطة كامل متو، لاتخاذ ما يلزم من الاحتياطات لضمان سلامة جرداغ رئيس الوزراء. استحصلوا على موافقة وزارة الداخلية بوضع نفر من الشرطة مقابل الجرداغ، وهو ما تم بالفعل. كان هناك ثلاثة من الشرطة منبثين على الشاطئ يتربصون لضمان أمنه وحراسته.
عاد السيد نديم الباجه جي في إحدى الليالي متأخرا لذلك المكان.. نزل من سيارته، وأمر السائق بالانصراف والعودة لبيته، ثم سار نحو الجرداغ، وإذا به يصادف أحد هؤلاء الحرس يقف باستعداد ويحييه. استغرب نديم الباجه جي من أمره، فسأله: ابني انت شنو واقف هنا؟ أكو شي صار؟ لا سيدي. لا كل شيء على ما يرام. ولكن الضابط أمره بالمجيء هنا وحراسة جرداغ رئيس الوزراء. قال له: ابني أنا رئيس الوزراء، وأنا ما احتاج لحرس، شأكو عندي يجون يحرسون هنا؟ ثم صرفه إلى بيته مع زملائه من الحرس.
وفي اليوم التالي، اتصل بمدير الناحية، وأخبره بأنه لا يحتاج إلى أي حرس. ليس هناك أي خطر، ولا أحد يفكر بالاعتداء عليه. قال له إن وجود شرطة مسلحين يحيطون بجرداغه يعكر صفو الحياة الطبيعية على الشاطئ، ويزعج الآخرين، ويلفت النظر. نحن في بلد آمن وما من حاجة لكل ذلك. وبها انتهى دور الحراسة هناك، وبقيت حياة الجراديغ آمنة هادئة، حياة بسيطة ورائقة. وقضى نديم الباجه جي كامل موسم الصيف فيها دون أي حادث ولا حتى أي إشارة من الصحافة. أيام خير وحلوة راحت، ولكنها لا بد أن تعود بإذنه تعالى، وبوعي الشعب العراقي وتخلصه من كل هؤلاء المتخلفين الإرهابيين، ويعود نهر دجلة يتدفق حرًا بين الشاطئين؛ دجلة الخير في بلد الخيرات في أيام الخير.
9:11 دقيقه
TT
جراديغ بغداد
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
