TT

فهم السؤال نصف الإجابة

أذكر أنني ركبت ذات يوم مع شخص يعمل في سلك الشرطة. وكان في سيارته المدنية جهاز لاسلكي يستمع من خلاله إلى محادثات دوريات المرور وغيرها. فجاءه فجأة اتصال كان يناديه برقم خاص به، فرفع الضابط السماعة وأعاد جزءًا من السؤال الذي سمعه، وأجاب عنه، ثم قال «مرر». سألته، بعد أن أنهى المكالمة، ما حكاية «مَرِر» ولماذا تعيد كل حين ما سمعته، فقال: «من بديهيات التواصل اللاسلكي أن تؤكد للمتصل أنك فهمته، حتى لا تقع أخطاء في الفهم فيما بيننا». وأضاف: «أما كلمة مرر فتعني أنني أنهيت كلامي، ومستعد الآن أن أسمع».
تذكرت هذه الحكاية وأنا أقرأ نص المحادثة التي نشرتها صحيفة «الشرق الأوسط» لمسؤول في أحد المرافق الإيطالية وربان سفينة سياحية عملاقة جنحت عن مسارها عقب ارتطامها بحاجز صخري أدى إلى غرقها، حيث كانت تقل نحو 4229 شخصًا، على غرار فاجعة سفينة التايتانك الشهيرة. كان المسؤول يقول للربان بحدة «سكيتينو: أنصت إليّ. هناك أشخاص محتجزون على متن السفينة، أريد منك أن تصعد أحد قوارب النجاة وتدخل تحت مقدمة السفينة على الجانب. اصعد إلى متن السفينة وانقل لي عدد الأشخاص الموجودين هناك. هل هذا واضح؟ أنا أسجل هذه المكالمة كابتن سكيتينو».
وعندما تردد الربان في الرد وتحدث عن «ميلان السفينة حاليًا على جانبها»، شدد مسؤول المرفأ: «أنا أدرك ما تقول، هناك أشخاص يهبطون السلم على مقدمة السفينة، عد إلى السفينة وأخبرني عن عدد الأفراد الذين لا يزالون هناك، وماذا لديهم على السطح، هل تسمعني؟ أخبرني هل هناك أطفال ونساء، وأي نوع من المساعدة يحتاجونه، وأخبرني بعدد كل فئة من هؤلاء، هل تسمعني؟ استمع إليّ يا سكيتينو، قد تكون قد أنقذت نفسك من البحر لكني سأضعك في موقف غاية في السوء، سأجعلك تدفع ثمن هذا». هذا النص الذي نشرته الصحيفة الإيطالية وأثار ضجة كبيرة، بعدما تبين أن ربان السفينة قد لاذ بالفرار تاركًا وراءه ركابًا وأطفالاً ونساءً عالقين فيها.
ما يهمنا من الحوار هو كلمات التأكيد التي رددها المسؤول في المكالمة ليتأكد من فهمه قبل أن يتخذ أي إجراء قد تكون تداعياته خطيرة إن لم يفهم مراده. وكانت هذه الكلمات مثل «هل تسمعني؟» و«أنصت إليّ» و«هل هذا واضح». فأي حوار في العالم لا بد أن يمر في ثلاث مراحل؛ الأولى: الاستماع، بعدها: الفهم، ثم: الرد. ومرحلة الفهم هي التي نردد فيها هذه الأسئلة لنفهم جيدًا قبل أن نرد. غير أن كثيرًا ممن يرتكبون أخطاءً هم ممن يقفزون من مرحلة «الاستماع» الأولى إلى الثالثة وهي «الرد»، قبل الفهم (الثانية) فيخطئون في فهم مبتغى المتحدث.
وتتجلى أهمية مرحلة الفهم قبل الرد في قاعة المحكمة، حيث يندر أن تجد قاضيًا في العالم يحكم (وهي مرحلة الرد) قبل أن ينصت جيدًا لحجج المتخاصمين ومرافعات محاميهم ليتأكد من فهمه قبل أن يرد بالحكم النهائي.
إن فهم الكلام جيدًا قبل الرد عبر توجيه أسئلة استفهامية يوفر علينا وقتًا ثمينًا نهدره وقد يجنبنا تداعيات وخيمة لقرارات لم تصل لمرحلة النضج لأننا لم نفهم القصة. ولذا قيل إن فهم السؤال نصف الإجابة.