مثل دعابة مراوغة، يتسلل صوت فريد الأطرش وهو يغني «يا بو ضحكة جنان اضحكها كمان». على من تقرأ مزمارك من الراديو يا أستاذ، ألا ترى حال الأمة، فكيف تطلب من صاحبك الضحك؟ يبتسم فريد ويسخر قائلاً: «مذياع وليس راديو. ألا تعرفين يا أستاذة أن الراديو مفردة أعجمية؟». أعرف أيها المغني الأمير. لكنك رحلت منذ أربعين عامًا ولا تدري ما صارت عليه الحال. يا عزيزي نحن اليوم نتحدث «العربيزي». ونكتب «العربيزي». ويفاخر أطفالنا بمهارتهم في هذه اللغة. فهل يضحك أبو ضحكة جنان أم ينتف شعره ويبكي؟ وحتى مواطنك نزار، تطلع من البعيد إلى بيت المقدس وكتب: «بكيت حتى انتهت الدموع». والقدس لم تعد فريدة في محنتها، فقد التحقت بها بيروت وبغداد والموصل وصنعاء ودمشق قلب العروبة النابض والجزائر التي هجرت التعريب وعاد تلفزيونها «يهدر» بالفرنسية. وقد سمعت مذيعًا متفيقهًا يصف رجلاً ويقول: «كان يرتدي السترة والبنطال». وعندها ضحكت ضحكة يشتهيها القلب، وليست من نوع تلك التي جاءت على لسان أحد أبطال غوغول: «الآن سأضحك ضحكتي الصفراء».
أراد أخونا أن يُعرّب «البنطلون» فقال: «بنطال». أما كان في مقدوره، وهو الغيور على لغة الضاد، أن يقول: سروال؟ ولأن الشيء بالشيء يُذكر، حطّت على شاشتي، أمس، صورة للمطرب محمد عبد الوهاب وهو يرتدي السترة من دون «بنطال» في مشهد من أحد أفلامه. ومُرسل الصورة مواطن عربي سعيد يرجوني ألا أكتب بين سطر وسطر بل بين ضحكة وضحكة. لكنني لما حاولت أن أغصب جملتي على التفاؤل جاءت ضحكتها وكأنها طابع مُزوّر. ثم ذهبت عبارتي ووقفت أمام المرآة وتطلعت في صفحتها فوجدت «ضحكًا كالبُكا». ولما عادت إليّ شددت أُذنها شدّة خفيفة وأفهمتها أن التزوير صار عدّة الناجحين في الحياة. وليس مطلوبًا أن يبيع أحدنا الترامواي ويخدع الغير. لكن القليل من التمويه يُفرح القلب ويخفف من وطء الحقيقة. ترغب في شعر كثيف؟ إليك باروكة باللون الذي يناسبك. تريدين حقيبة ثمينة فرنسية الصنع؟ خذي نسخة طبق الأصل بربع السعر مصنوعة في الصين. تطلب مقالاً يخالف الضمير؟ غالٍ والطلب رخيص. وعند هذه النقطة سأعود للوقوف على أعتاب الكاتب الروسي غوغول وأضحك ضحكتي الصفراء. كيف الوصول إلى أعتابه وقبره تكتنفه الألغاز؟ حتى تأشيرة السفر إلى موسكو تتعذّر لأن سفارة روسيا في باريس غادرت مبناها القديم في شارع «لا فيساندري».
كانت النية كتابة مقال يبعث على الابتسام. لكن نيقولاي فاسيليفيتش غوغول، في ليلة ثلجية تدمع فيها الأعين، أحرق مخطوطة الجزء الثاني من روايته الشهيرة «أرواح ميتة» ثم نام ولم يستيقظ. مات في مثل هذه الأيام قبل 264 سنة. ويُقال إنه دُفن حيًا لأنه كان مصابًا بمرض السبات. فلما صحا حاول الخروج من نعشه في مقبرة دانيليفسكايا ولم يفلح. ثم أخرجت السلطات السوفياتية الجثمان، في ثلاثينات القرن الماضي لنقله إلى مقبرة العظماء، فوجدوه قد تحرك في مثواه والقبر محفور بالأظافر من الداخل. ولم يكن هناك أثر للجمجمة. وحضر مجموعة من الأدباء والمسؤولين الحزبيين واقعة فتح القبر وحاول بعضهم أن يأخذ تذكارًا من أديب روسيا الكبير. قطعة من ملابس أو نتفة من حزام مهترئ. وبحسب إحدى الروايات فإن مدير المقبرة استحوذ على حذاء غوغول. لكنه عاد إلى القبر ثانية لأن صاحب الحذاء ظهر له في المنام وأمره بأن يعيده إلى مكانه. أما الجمجمة فيقال إن الثري باخروشين أرسل من يسرقها له أثناء تنظيف قبر الكاتب وترميمه في الذكرى المئوية الأولى لولادته. ولعلها لم تكن جمجمة غوغول بل جيء له برأس أي كان. فما أكثر المتاجرين بالآثار المزورة واللوحات المنسوخة والرؤوس المقطوعة.
هناك فيلم بدأ عرضه هذا الأسبوع عن محتال عجوز يدعى غي ريب، وهو فرنسي تمكن على مدى 30 عامًا من تزوير آلاف اللوحات لكبار الرسامين وباعها بأغلى الأسعار. وعنوان الفيلم هو «المزوّر الحقيقي»، لأن حيلة هذا الفنان كانت تنطلي حتى على الخبراء. كما أن هناك موقعًا على الشبكة يعلّمك كيف تزوّر الهويات، وموقعًا آخر يدلك على 7 طرق لكشف الدولارات المزيفة. لماذا لا يهتم أحد بتزوير الدينار العراقي أو الجنيه المصري؟
وتبقى إشارة أخيرة، بين الضحك والبكاء. ففي الرقم 16 من شارع «لا فيساندري» في باريس، وهو الشارع نفسه الذي تقع فيه سفارات غينيا وبولونيا والعراق، مبنى جميل يحتضن متحفًا للبضائع المزورة. وحتى تصميم المتحف ليس أصليًا بل هو نسخة مقلدة من قصر يعود للقرن السابع عشر يقع في حي «الماريه» العتيق. اضحكوا كُرمى لذكرى فريد الذي كان يخدعنا بأنه أطرش، ويبتسم مثل البنفسج الذي يُبهج وهو زهر حزين.
9:11 دقيقه
TT
بنطال عبد الوهاب
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
