أوباما وبوتين والنار التي لن تهدأ

أوباما وبوتين والنار التي لن تهدأ

الجمعة - 18 جمادى الأولى 1437 هـ - 26 فبراير 2016 مـ رقم العدد [13604]
أمير طاهري
صحافيّ وكاتب ايرانيّ مثقّف لديه اهتمامات واسعة بشؤون الشّرق الاوسط والسّياسات الدّوليّة
يعرف أولئك المتابعون لسياسة الرئيس أوباما الخارجية، عن كثب، عبر السنوات السبع الماضية أنه كان مهتمًا وللغاية بأمرين اثنين لا ثالث لهما.
الأمر الأول هو كيف تبدو الأمور، وليس كيف هي حقيقة الأمور، وبعبارة أخرى، انتصار المظهر على الجوهر. والأمر الثاني هو التصميم الذي يقترب من حد الهوس على استرضاء الخصوم من خلال منحهم أكثر مما يطلبون.
وأحد الأمثلة البارزة على هذين الأمرين المهمين لدى أوباما المأساة السورية، التي حصدت أرواح 300 ألف شخص، وألقت بنصف سكان البلاد في هوة اللجوء والهجرة القسرية داخل الوطن وخارجه.
وفي ضوء هذه الخلفية، يتعين الوقوف مليًا عند قرار وقف إطلاق النار الذي بدأته روسيا، وسرعان ما أقرته ووافقت عليه واشنطن. أعتقد أن أوباما لديه من الذكاء ما يكفي لكي يعرف أنه لن يكون هناك وقف فعلي لإطلاق النار داخل سوريا لسببين رئيسيين على أدنى تقدير.
السبب الأول أن وقف إطلاق النار يكون نافذ المفعول فقط في حالة أن جميع الأطراف المتحاربة متفقة عليه، وهو بكل تأكيد أمر يخالف الوضع الحالي على الأرض في سوريا اليوم.
وفي واقع الأمر، فإن الراعيين الرسميين لوقف إطلاق النار في سوريا، وهما موسكو وواشنطن، قد استبعدا بشكل صريح جبهة النصرة وتنظيم داعش من القرار. كما أن هناك إعفاءً ضمنيًا حيال الأكراد الذين يسيطرون الآن على مساحة من الأرض في سوريا تقارب المساحة التي تسيطر عليها حكومة بشار الأسد، وعدد السكان الذين يسيطر عليهم الأكراد قليلون بالمقارنة.
أما موقف الأطراف الأخرى المشاركة في الصراع السوري، ولا سيما ميليشيات حزب الله اللبناني والميليشيات العراقية المنضوية تحت القيادة الإيرانية، إلى جانب الميليشيات الأفغانية وغيرها من الوحدات المقاتلة المقبلة من آسيا الوسطى والخاضعة لسيطرة طهران، فلا يزال غير واضح تمامًا حيال القرار. وأقرب إشارة بشأن تلك الوحدات صدرت عن محمد جواد ظريف وزير خارجية الجمهورية الإسلامية، الذي قال: «لن تتوقف الإجراءات العسكرية بحق الجماعات الإرهابية». وحيث إن طهران تتعامل مع جميع الجماعات المعارضة لبشار الأسد من واقع أنها جماعات «إرهابية»، فقد يعني ذلك أي طرف وكل الأطراف.
وعلى الطرف الآخر من الطيف، فإن حشد الجماعات المعارضة للأسد التي لم تصنفها واشنطن أو موسكو تحت بند الجماعات الإرهابية، قد أعلنت قبولها لوقف نهائي لإطلاق النار مشروطًا بوقف الأعمال العدائية على مواقعهم، ورفع الحصار المضروب على البلدات والمدن، الذي أدى إلى تجويع جموع كبيرة من السكان المدنيين.
وبعبارة أخرى، فإن أوباما وشريكه الذي عثر عليه أخيرًا، فلاديمير بوتين، قد صاغا معًا شكلاً جديدًا من أشكال وقف إطلاق النار، ويمكن لأحدنا أن يسميه: حسن التدبير، حسب طلب الزبون.
أما السبب الثاني في أنه لن يكون هناك وقف فعلي لإطلاق النار داخل سوريا، فيرجع إلى الطبيعة المتنوعة لمختلف النيران التي تحرق سوريا.
هناك في الحقيقة ثلاثة أنواع من النيران في سوريا.
النوع الأول النيران الجوية التي تحتكرها القوات الجوية لنظام الأسد، ومن قبل حلفائه الروس في الآونة الأخيرة. ويتناسى الناس أن 90 في المائة من أولئك الذين قتلوا خلال السنوات الخمس الماضية كانوا ضحايا الهجمات التي نفذتها القوات الجوية السورية والروسية، وخصوصًا القصف بالبراميل المتفجرة واستخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين.
كانت تلك النيران لتتوقف فورًا إذا ما أراد بوتين ذلك.
والنوع الثاني من النيران هو تلك الاشتباكات العنيفة الحالية على الأرض بين قوات الأسد وحلفائه، بما في ذلك الكتلة الإيرانية، التي حصدت أرواح ضحايا أقل بكثير مما حصدته الهجمات الجوية لقوات الأسد وحملات القصف العنيفة لقوات بوتين الجوية. وفي الحقيقة، منذ خريف عام 2014، عندما بلغت الحرب الأهلية السورية ذروتها، كان الجانبان قد خاضا معًا ما لا يزيد على 17 معركة فقط من الحجم والنطاق الكبير.
لا يمتلك الأسد ولا خصومه على الأرض القوة البشرية الكافية لتنفيذ العمليات البرية واسعة النطاق في سياق الحرب البرية الموضعية. وحتى إذا ما حققوا مكاسب إقليمية مؤقتة، فليست لديهم الموارد البشرية للاحتفاظ بمواقعهم كثيرًا.
لقد نجم عن الحرب الأهلية السورية نوع من التعادلات والتقسيم الفعلي الذي لا يمتلك أي طرف من أطراف الصراع القوة الكافية لتغييره.
يعتقد بعض المحللين أن رفض الأسد مقاومة التقدم الذي أحرزه تنظيم داعش يعتبر إشارة على وجود تواطؤ ما بين هذين الكيانين الإجراميين. ولا أعرف على وجه اليقين ما إذا كانت هذه هي الحقيقة من عدمها. ومع ذلك، فإنني أعلم أن الأسد تنازل عن أجزاء من الأراضي السورية لصالح «داعش» من دون كثير قتال، في حين أن التنظيم الإرهابي يقترب كثيرًا من خنق النظام السوري الحاكم في دمشق، غير أنه لم يتخير بعد متى سوف يهاجم العاصمة.
وبعبارة أخرى، فإن وقفًا فعليًا لإطلاق النار ما بين نظام الأسد وتنظيم داعش يُعتبر قائمًا منذ ما يقرب من عام كامل.
والنوع الثالث من النيران المشتعلة في سوريا يأتي من الهجمات الإرهابية في المناطق الحضرية، ولا سيما السيارات المفخخة والعمليات الانتحارية. وليس من شأن صفقة بوتين وأوباما وقف هذا النوع من النيران في أي وقت قريب، وخصوصًا أن الجماعات التي تنفذ مثل تلك الهجمات لم تتلقّ أي حوافز من أي نوع تدفعها لتغيير تكتيكاتها على الأرض.
ليس من شأن صفقة بوتين وأوباما إنهاء المأساة السورية أو حتى تغيير مسارها الحالي نحو الأفضل. ولكنها سوف تمنح الرئيس أوباما المادة السياسية التي سوف يستخدمها ويتحدث حولها خلال التسعة شهور المتبقية من ولايته، وحتى انعقاد الانتخابات الرئاسية الأميركية الجديدة. ولسوف يحصل على «عملية سلمية» في سوريا على غرار تلك التي كانت بين الإسرائيليين والفلسطينيين منذ عام 2009. ولسوف يسوق «العملية السلمية السورية» بالطريقة نفسها التي سوق بها «الاتفاق النووي» غير الحقيقي مع إيران، في ظل المزاعم بأن استرضاء الصقور من الملالي سوف يُفسح الطريق لمساعدة «التيار المعتدل» ورئيسه غير المنتخب هاشمي رفسنجاني في الفوز بالسلطة في الانتخابات الإيرانية (المنعقدة في الوقت الحالي)!
كما أن صفقة بوتين وأوباما من شأنها أن تتناسب أيما تناسب مع سيد الكرملين.
هناك إشارات تفيد بأن بوتين بدأ يدرك أن مغامرته في سوريا لن تكون نزهة لطيفة. ومع الاقتصاد الروسي الذي يتجه نحو حافة الانهيار، وفي جزء منه بسبب هبوط أسعار الطاقة عالميًا، يجد بوتين صعوبة بالغة في تسويق مشروع البناء الإمبراطوري الخاص به لزمرة الأثرياء الذين يشكلون العمود الفقري لنظام حكمه. كما أدرك أنه من دون وجود قوات برية على الأرض وبأعداد كبيرة لن يتمكن من فرض النظام الذي يريده في سوريا. ولكن من أين سوف يأتي بوتين بالجنود؟ بعد الخسائر الهائلة التي مني بها ملالي طهران، لم يعودوا يجرؤون على إرسال أعداد كبيرة من قواتهم، خصوصًا عند حاجتهم إلى تلك القوات في قمع التمرد الذي يخشون من اندلاعه داخل إيران نفسها. وبالنسبة لفرع حزب الله اللبناني، فلقد رأوا بأنفسهم مدى ضعف قواتهم وتهالكها، وأي انتشار كبير لتلك القوات سوف يحرم حسن نصر الله من الحشود المهمة التي هو في أمسّ الحاجة إليها لإرهاب خصومه السياسيين داخل لبنان.
أما بالنسبة للأسد، فليس أمامه من خيار سوى العيش على أساس يوم بيوم، والانغماس المتزايد في أوهامه الذاتية، بما في ذلك «الانتخابات البرلمانية» المزعومة التي أعلن عنها أخيرًا، والتي لا تعد أكثر من «كذبة أبريل» السخيفة.
والمأساة تكمن في أنه، وطيلة الوقت، يموت الناس في سوريا بشكل يومي.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة