يوم استقبل الروس الأسد منفيًا

يوم استقبل الروس الأسد منفيًا

الثلاثاء - 1 جمادى الأولى 1437 هـ - 09 فبراير 2016 مـ رقم العدد [13587]
عبد الرحمن الراشد
اعلاميّ ومثقّف سعوديّ، رئيس التحرير السابق لصحيفة "الشّرق الأوسط" والمدير العام السابق لقناة "العربيّة"
ظهر كتاب لفاروق الشرع نائب الرئيس السوري، المختفي منذ عام 2012، والذي لا يُعرف مكانه بعد، إن كان مدفونًا في ستة أقدام تحت الأرض أو محبوسًا في بيته. وسأعود لاحقًا للحديث عن الكتاب، إنما الذي استوقفني، حديثه عن دور موسكو في حسم الحكم في دمشق!
الشرع يسرد حكاية كيف وافقوا على استقبال رفعت الأسد، المنازع على الحكم. مما يعني اليوم أنه لن يكون غريبًا على الروس تكرار احتواء الأزمة السورية، ومنح بشار الأسد ممرًا أو منفى دائمًا.
القصة كما يرويها الشرع، أنه سبق للروس أن تدخلوا في شأن الخلاف بين الرئيس حافظ الأسد وشقيقه رفعت، عندما وقع نزاع على الحكم في عام 1984، بعد أن دخل حافظ في غيبوبة إثر أزمة صحية طارئة. رفعت، قائد سرايا الدفاع، حاول خلال الفراغ الرئاسي أن يمارس دوره القيادي، وانشقت دمشق بسبب نزاع بين العلويين على الحكم حتى استيقظ حافظ من غيبوبته وسط عاصمة على وشك الاقتتال. السوفيات بعثوا مندوبًا عنهم، حيدر علييف، نائب رئيس الوزراء، الذي طلب لقاء رفعت لمعرفة ما يجري داخل النظام، ولم يرفض حافظ تدخلهم، وفق رواية الشرع، الذي يقول إن الأسد أرسله مرافقًا لعلييف، طبعًا لمعرفة ما يدور من حديث مع رفعت.
بعدها، رقى حافظ أخاه إلى منصب نائب الرئيس، وخفض سلطاته.
يقول الشرع إن حافظ حاول ان يوجد مخرجًا كريمًا لشقيقه، والحقيقة أنه أراد أن يتخلص منه بعد أن صار طرفًا ومنافسًا على الحكم. فقد كان بإمكانه الإبقاء على رفعت نائبًا للرئيس. «قمت، وبطلب من الرئيس، بإيجاد مخرج لائق لرفعت في ابعاده عن سوريا، وذلك بالاتصال مع السفير الفرنسي لترتيب زيارة رسمية له كنائب للرئيس ومن ثم لبقائه هناك في باريس.. رفضت الخارجية استقبال رفعت، عدت وطلبت ذلك من جديد، وانتظرنا لكن الفرنسيين لم يغيروا يومئذ من موقفهم، وتسبب ذلك في التوتر بيننا وبينهم».
يروي الشرع أنه لجأ للحليف السوفياتي، «اتصلت مع فلاديمير يوخين السفير السوفياتي في دمشق لهذا الهدف». وكان يوخين في ما عدا أنه سفير دولة صديقة، يعرف من دون اي شك مشكلة رفعت وفصول الأزمة الثقيلة، كما ان القادة السوفيات سيما نائب رئيس مجلس الوزراء السوفياتي علييف كان في صورة المشكلة بشكل مباشر ابان زيارته دمشق. ولهذا جاء رد السوفيات سريعًا، «رحبوا بالطلب» وقرر حافظ إرسال رفعت في زيارة رسمية بصفته نائبًا لرئيس الجمهورية «بكامل المراسم، مع كبار الضباط الآخرين»، لتكون رحلة الوداع مع نحو 70 من ضباطه للإقامة منفيًا في أوروبا إلى اجل غير مسمى.
رفعت تعاون وارتضى الخروج من سوريا كلها حلاً للمشكلة، إلا أن حافظ لم يشأ أن يترك الأمور دون أن يسيطر على تفاصيلها الصغيرة. فأرسل موظفه المخلص، الشرع، معه في الطائرة إلى موسكو.. وأرسل قيادات أمنية أيضًا، التي كانت تقل أيضًا ضباط رفعت الكبار «لقضاء فترة استجمام إجباري في موسكو». ويقول الشرع إن موسكو وافقت على احتوائهم». وفي الطائرة حدثت مشادات أكثرها من شفيق فياض مع رفعت، ووصلت إلى حد إشهار السلاح.. ولم تهدا إلا بتدخل العميد الخولي، «فاستبدلت الاتهامات بعناق ومصافحات جاءت متأخرة مقارنة مع ما حصل من تهديدات متبادلة عند مداخل دمشق قبل بضعة أسابيع». وأدار الكرملين العملية بمهارة، فاستقبل في مطار موسكو رفعت بشكل رسمي بروتوكوليًا بوصفه نائبًا للرئيس، وعقدوا محادثات رسمية. ويروي الشرع أن رفعت كان ينقل تفاصيل اللقاء إلى أخيه حافظ بما فيها النكات والأخبار الهامشية، وكذلك ما صرح به للتلفزيون الروسي. وكيف تدخل في صياغة التصريح بتصرف «ومع ان رفعت يتقن الحديث بلغة سليمة، فان ما كنت اخشاه ان ياخذ الروس بتصرف ما يناسبهم او ان يبوح رفعت بما هو غير مناسب حول الأزمة».
في تلك الأزمة الخطيرة، كان رفعت يملك قوة على الأرض في دمشق، وتحالفات مع قيادات عسكرية مهمة، وكان بإمكانه خلال غيبوبة أخيه حافظ أن يستولي على الحكم، لكن رفعت لم يفعل. وحتى عندما طلب منه حافظ أن يغادر البلاد أذعن، والتزم بتعهده ألا يثير مشكلات ضد النظام. مبادرة موسكو آنذاك هي التي أنقذت النظام من الفوضى والاقتتال. وعندما نتذكر تلك الأحداث الخطيرة اليوم نرى الفارق بين موسكو الأمس وموسكو اليوم، وأسد الأمس وأسد اليوم.
بشار الأسد، رئيس النظام، ارتكب أعظم كارثة سياسية وإنسانية في منطقة الشرق الأوسط. وصار إبعاده ضرورة منذ خمس سنوات، بعد أن عالج الأزمة بالقتل والدمار واستحالت المصالحة بعدها. واستمرار بقائه سيؤدي إلى كوارث أعظم للنظام السياسي، وعائلته، وطائفته، والبلاد، والمنطقة بل والعالم كله بسبب تنامي الإرهاب. ولو أن الروس فعلوا ما فعلوه في عام 1984، وأيدوا الدعوات إلى إجباره على التنحي، لكانوا منعوا الكارثة. وفي النهاية سيكتشف الجميع أن الأسد لا يستطيع الاستمرار في الحكم رغم كل هذا الدعم، والحرب عنه بالنيابة، لأن نظامه أصبح محطمًا.
ولو يلعب الروس دورًا إيجابيًا في ما تبقى من زمن الأزمة، ويساندون إقصاء الأسد، فإنهم بذلك سيرممون ما تبقى من سوريا، ومن صورتهم، وينهون هذه المأساة الكبرى.

التعليقات

سليمان الحكيم
البلد: 
مدريد
09/02/2016 - 01:21

اذا كان كتاب فاروق الشرع مما حمله من عناوين وواقائع واحداث ممكن ان يكون بعضها صحيح وبعضها ملفق ولكن المهم والاهم انها رسالة حديثة المنشأ والمصدر من قبل روسيا ولماذا سربت وارسلت ولمن يهمه الامر ؟ كما ساورتك الشكوك أستاذ عبد الرحمن عن مصير ووجود فاروق الشرع . هل سجينا او فى غياهب ألجب السوري المشهور الابدي وكيف ومتى تمت كتابة وطبع كتابه ومذكراته ومن هي الشركة صاحبة امتياز التوزيع لهذا الكتاب ولماذا الآن ! المهم ان هذا الكتاب وكل ماورد به من من رحلات فضائية بين باريس وموسكو ان عالمنا العربي وأنظمته أكثرها كانت مافيوية وعصابات عائلية من الطراز الرفيع السرعة بانهيار الاتحاد السوفيتي اثبتت الوقائع انه كانت تحكمه لجنة مركزية مافيوية وسوريا والعراق ما كانت الا فروع لهذه العصابة برعاية ( العراب ) الأميركي وادارته والوقائع على الارض اثبتت واكدت ذلك .

سامي بن محمد
البلد: 
باريس
09/02/2016 - 01:23

يا أستاذ إن طراطير العصابة هذه كلها ولازالت تعمل لروسيا، ومايلأتي في محاولة "الترطيب " السوفيتي وقتها كان للحفاظ على نظامها التي أوكلته لعميلها، وأما قدوم موسكوا الى دمشق فلإنها رأت تحديداً أن النظام "فرط" ولزم عليها التحرك وإلا كل الذي تواعدت عليه ذهب ســـــــــيان، هذا دون الحديث أن سقوط نظام دمشق يعني بالمباح سقوط ملالي طهران وبذلك فاللعبة الروسية تُصبح " خردة " تاريخية كما هي شيوعية السوفيت ولن يكون بإمكان روسيا أفضل مما حصل للسوفيت في مشاريع " العضلات المفتولة".

عبدالله عبادى
البلد: 
الرياض
09/02/2016 - 04:24

هكذا يتم اللعب بمصائر الشعب السورى بين الاخ واخيه واذاكان بشارومن خلفه العلويين يعتقدون ان بشارسوف يبقى حاكمااومواطن عادى فلن يجدالقبول من اللذين فقدوابنائهم وعائلاتهم ودمرت املاكهم ناهيك عن اللذين شردواوابتلعهم البحروحولت سورياالى خرائب تذكرنابدماراوربافى الحرب العالميه الثانيه والغريب انه يخدع نفسه بأنه سيرشح نفسه للانتخابات فأى رجلاهذا؟؟ ولم يأخذالعبره من القذافى !ان المأساه التى حلت فى سورياكان هوسببهاوتحتاج الى سنوات طويله كى تعودبلداطبيعيايقصدهاالمستثمرون ومن ارادان يتمتع بهابلداسياحياوالغريب هوموقف روسياالى جانب رجلاارتكب اعظم كارثه فى حق شعبه بعدان فقداصدقائه واكتفى باايران ولن تفعل له اى شى هذااذاكتب له البقاءان الحماقه عندماتصل اعلى سلم الهرم فى بلدمافقل عليهاالسلام

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
09/02/2016 - 07:12

الهدف هو الإجهاز على الثورة السورية فقط لا غير لإنه في حال نجاحها فسوف تنقلب الموازين في المنطقة رأساً على عقب وهذا ما لاتريده الأطراف الدولية ولا تتمناه أطرافٍ "في المنطقة" أيضاً، لأنه بنجاحها سوف يعاد "توزيع الورق" من جديد وسوف تقع "الآس" في ايدي لاعبين آخرين وهذا ما لا يراد له أن يكون، ظهرت صعوبة المهمة الآن، فلا مناص من القبول بواقع جديد غير الذي ألفوه على مدى 50 عاماً.

مخلص وهبه
09/02/2016 - 07:42

صحيح ولكن ان تم المقارنه بين اسد الحافظ وبشار الاسد لوجدنا ان المشكله كانت بين الاخ والاخ الاخر على الحكم والسلطه ولم تكن ثوره للتغير من جانب الشعب تصرف حافظ بحذر شديد جدا ورفعت لم يخالف والشعب استمر دون حراك شوري او سياسي ومن هنا علينا التميز في الامر ما يحدث اليوم هو امر اخر لا مقارنه ابدا بشار دمر سوريه سوريه بشار وسياسة العصا المرفوعه الى السماء حتى ان الروس ومصالحهم في سوريه الدمار هو الدافع الاول للتدخل وان حان وقت تبديل بشار لن يتاخر الروس امام الامر الملعب السوري على ارض قاحله انتهت الدوره امام سياسة العصا ولربما انتهت سوريه والقادم اعظم ما يجب ان يطرح كيف كان سيتصرف حافظ الاسد الاب امام ازمه او ثوره او امام الشعب ان كان ما زال مكان بشار للوقت الحالي هل في نفس السياسه او اروع او كان سينهي الحكم ويرحل دون ان تنهار سوريه العظيمه

عبد الله عبادي
البلد: 
الرياض
09/02/2016 - 12:45

من يعتقد أن روسيا دخلت سوريا ومن ثم سوف تخرج فهو واهم والتاريخ يعلمنا أن الاستعمار يدخل بأسباب قد تكون واهية لكنه سوف يقيم مدة طويلة لكن التاريخ علمنا أيضا أن المقاومة هي الطريقة الوحيدة التي ترغم المحتل أن يرحل السوريون ويدافعون عن بلادهم بكل ما لديهم من امكانات وعليهم أن يوجهوا بنادقهم إلى التواجد الروسي لأنه رأس الثعبان أما بشار فهو الذنب ودمية في أيديهم وبمجرد خروجهم فسوف ينهار ولابد من توجيه ضربات موجعة، والسوريون يعرفون مسالك بلادهم، إن الاتحاد السوفييتي لولا الخسائر التي قابلتهم في أفغانستان لم ينسحبوا وقس على ذلك الجزائر وفيتنام وكل مكان دخله المستعمرون، لكن هم بحاجة إلى صواريخ مضادة للطيران، فإن المفاوضات عندما تفتقد عوامل القوة فإنها لا تحقق شيء.

سالم
البلد: 
فطر
09/02/2016 - 23:29

مقال جيد ،،، ولكن للأسف استاذ عبدالرحمن الروس تدخلوا ليبسطو سيطرتهم على كامل سوريا ،، ويعيدو النظام لاستلام سلطته على كامل التراب السوري ،، هذه هي الحقيقه للأسف الشديد ،، اذا لم يتخذ قرار مصيري تاريخي لمسانده الشعب السوري فأعتقد بان روسيا ستحطم كل المعارضات السوريه المسلحه ،، النظام الرسمي العربي يتحمل المسؤليه بتردده وتلوكئه في اتخاذ قرار حازم منذ البدايه .. كان الله في عون شعبنا السوري العظيم .

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة