د. سلطان محمد النعيمي
كاتب إماراتي
TT

الكونغرس يُقر والنظام الإيراني يشتاط

إنه نوفمبر (تشرين الثاني) 2013.. إيران تعلن عن الوصول إلى اتفاق مؤقت بينها وبين مجموعة «5+1» بشأن برنامجها النووي. الخبر ينتشر كالنار في الهشيم. يضع رئيس مجلس إدارة إحدى الشركات النفطية العالمية كلتا يديه خلف رأسه مائلاً بالكرسي للخلف قائلاً: «آن الأوان من جديد لنقتنص الفرص في السوق الإيرانية الكبيرة». كان ذلك لسان حال العديد من الشركات العالمية الأخرى.
تصريح أميركي قادم مفاده أن العقوبات الأحادية والدولية لا تزال قائمة، ويُحذر من الانفتاح على إيران في هذا الوقت. لا توجد آذان مصغية لذلك التحذير، الذي لا يمنع من أن تبدأ تلك الشركات في تقصي الفرص المقبلة ومعرفتها لحين الوصول إلى اتفاق نهائي. النظام الإيراني يدرك مدى الإمكانات الاقتصادية التي تتمتع بها إيران، وتأسيسًا على ذلك يعقد بدوره العديد من المؤتمرات الاقتصادية لإبراز الفرص المتاحة في السوق الإيرانية.
تنطلق بعض الوفود الاقتصادية والسياسية لتتحسس طريقها وتحدد معالم الفترة المقبلة. الرقم مائة (100) أصبح علامة فارقة. يتساءل القارئ عن دلالة هذا الرقم.
في ديسمبر (كانون الأول) 2013، مباشرة بعد الاتفاق النووي المؤقت، وصل وفد يضم 10 من كبرى الشركات النمساوية لدراسة تطوير التعاون التجاري مع إيران في حالة إلغاء العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. وفي الشهر نفسه توجه وفد تجاري صيني إلى طهران يضم نحو 100 شخصية. كما شهدت إيران زيارة وفد كرواتي يضم 20 من كبار رجال الأعمال والاقتصاد. وفي مقابل الـ100 شخصية التي ضمها الوفد الصيني، استقبلت إيران أيضًا وفدًا فرنسيًا مكونًا من 100 ممثل لكبرى الشركات الفرنسية، لا سيما شركة «بيجو» للسيارات التي تتلاقى مع إيران في مشاريع مهمة في قطاع السيارات. وكذلك الحال بالنسبة إلى ألمانيا التي أرسلت بدورها وفدًا تجاريًا لإيران لبحث الفرص المتاحة اقتصاديًا. كما وصل في مايو (أيار) وفد من سلوفينيا مؤلف من 30 شخصًا یمثلون الشركات الاقتصادیة فی مجالات الطاقة والمصارف والكهرباء والاتصالات والزراعة وباقی المجالات الأخرى. ومن الخطوات المهمة التي قامت بها إيران، مع الوصول إلى الاتفاق المؤقت، توقيع مذكرة تفاهم اقتصادية بمبلغ 70 مليار يورو بين إيران وروسيا في الاجتماع الحادي عشر للجنة الاقتصادية المشتركة بين البلدين.
وتصديقًا لما تقدم، أعلن مير أبو طالب بدري، وكيل هيئة تنمية التجارة لشؤون التسويق والعلاقات، أن إيران شهدت في الفترة الماضية من عام 2015 نموًا في حركة تدفق الوفود التجارية بنسبة 133 في المائة مقارنة بالعام الماضي، وكذلك ارتفاعًا في عدد الدول القادمة منها الوفود التجارية بنسبة 50 في المائة، وفي عدد أعضاء الوفود بنسبة 30 في المائة.
ما تقدم يدلل على أهمية ما تحظى به السوق الإيرانية.
إنه يوليو (تموز) 2015.. هناك ترقب وانتظار لأمر مهم. المباحثات صعبة والتكهنات في ظل الشد والجذب والتمديدات السابقة صعبة كذلك. وفي نهاية المطاف يُعلن عن الوصول إلى اتفاق شامل بين إيران ومجموعة «5+1» في ما يتعلق ببرنامجها النووي.
فما الذي حدث لاحقًا؟ استمر الرقم مائة في توهجه وزاد. وتم رفع مستوى تمثيل تلك الشركات والمستوى الدبلوماسي والسياسي، بل وزيارة رؤساء دول لا سيما الرئيس الروسي، وزيارة وزيري الخارجية الفرنسي والبريطاني. وفد تجاري فنلندي يضم 100 ممثل عن الشركات الرائدة، ووزيرا التجارة والزراعة الفرنسيان على رأس وفد تضمن 150 تاجرًا وأصحاب شركات وصناعات مختلفة، ووفد اقتصادي ألماني كبير مؤلف من 130 شخصًا برئاسة وزير الاقتصاد، جميعهم توجهوا إلى إيران. فلم تعد هناك سوى أمتار قليلة لرفع العقوبات عن إيران.
تفجيرات باريس، وحوادث إطلاق النار في أميركا وغيرها من المناطق، وعلاقة ما تقدم بتنظيمات إرهابية لا سيما «داعش»، وارتباط عدد من الرعايا الغربيين بهذا التنظيم، كل ذلك يجعل الكونغرس الأميركي في حالة دراسة لمشروع قادم.
الحالة هنا أميركية، فما الذي يدفع النظام الإيراني لكي يشتاط غيظًا؟
مجلس الكونغرس الأميركي يقر مشروع قانون يفرض على مواطني الدول الـ38 الذين تم إعفاؤهم سابقًا، الحصول على تأشيرة دخول في حال زيارتهم لإحدى هذه الدول، وهي: إيران وسوريا والعراق والسودان.
النظام الإيراني يصب جُل غضبه على هذا القرار ويعتبره خرقًا للاتفاق النووي، ويهدد بأن يكون في حل من شروطه.
ولربط الأحداث وتقريبها للقارئ نشير إلى وجود عامل ربط بين هذا القرار في حال سريانه وبين العقوبات الاقتصادية الأحادية المفروضة من قبل الولايات المتحدة على إيران، وهو وضع الشركات والمستثمرين بين خيارين، فما هما؟
لقد وضعت العقوبات الأحادية الأميركية المفروضة على إيران كبرى الشركات والمستثمرين أمام مفترق طرق، فإما التخلي عن الاستثمار والعمل في السوق الإيرانية، وإما الحرمان من الامتيازات والمشاركة في المناقصات الأميركية. الكفة بلا جدال ترجح الاستثمار في أكبر اقتصاد في العالم. فعلى الرغم من السوق الإيرانية الكبيرة، فإنها تبقى أقل بكثير حين تقارن بالسوق الأميركية.
يتجلى هنا سبب امتعاض الجانب الإيراني من هذه العقوبات.
ولكن ماذا عن قرار الكونغرس، ولماذا يشتاط النظام الإيراني غضبًا؟ نجيب عن تساؤل القارئ من خلال تصريحات مسؤولي النظام الإيراني.
يقول العميد محمد حسين نجات، مساعد الشؤون الثقافية في الحرس الثوري: «تمت دعوة بعض الأفراد لزيارة إيران خلال الأسبوع الأخير للمشاركة في الاجتماعات واللقاءات المختلفة، إلا أنهم لم يأتوا خوفًا من وضع علامات استفهام حول جوازات سفرهم بعد قرار الكونغرس الأخير». كما يقول مساعد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي: «إن تقييد منح تأشيرات الدخول إلى أميركا للمسافرين القادمين من إيران، سيؤثر على التبادل الاقتصادي والسياحي والعلمي والثقافي، وأعتبره يتعارض مع الاتفاق النووي». وهذا ما دفع بدوره إلى مطالبة 102 نائب في البرلمان الإيراني، في رسالة موجهة للرئيس روحاني، الحكومة بضرورة الرد على الإجراء الأميركي، والذي اعتبروه كذلك خرقًا لتعهدات الاتفاق النووي الأخير.
ويمكن النظر إلى موقف النظام الإيراني من هذا القرار من زوايا عدة، لعل أهمها الاتهام المبطن من قبل هذا القرار للنظام الإيراني وارتباطه بالإرهاب نظرًا لأن منطلقات هذا القرار جاءت نتيجة للعمليات الإرهابية وارتباطها بهذه المناطق. هذا الأمر بدوره ينسف العديد من المحاولات الإيرانية لكي يبرز النظام الإيراني نفسه على أنه مواجه للإرهاب وعامل مهم في محاربته. أما الزاوية الأخرى التي يمكن النظر لها فهي أثر هذا القرار على المحاولات الإيرانية للانفتاح على الغرب وتنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية والثقافية والذي يمكن تلمسه من خلال تصريح العميد محمد حسين نجات.
التطمينات التي ساقها وزير الخارجية الأميركي لنظيره الإيراني، والتعهدات بعدم خرق الاتفاق النووي، لا تزال تراودها الشكوك من قبل النظام الإيراني، الذي ينطلق «متطرفوه» لإبراز مخاوفهم السابقة من الجانب الأميركي وتعهداته.