وليد أبي مرشد
صحافيّ وكاتب وخبير اقتصادي لبنانيّ
TT

«رباعيات» لبنان

من حق أي لبناني، مقيمًا كان أم مغتربًا، أن يتساءل اليوم: هل كتب «مجد» الرئاسة اللبنانية لأربعة لبنانيين فقط من أصل أربعة ملايين لبناني تقريبًا؟
حتى وإن كانت الدقة السياسية تستوجب وقف هذا المجد على أبناء الطائفة المارونية وحدها، يبقى السؤال المطروح: هل أربعة موارنة فقط، من بين ربع مليون ماروني لبناني تقريبًا، يختزلون الخيار الماروني.. والرأي العام اللبناني في آن واحد؟
اللهم ليس تشكيكًا بشعبية المرشحين الأربعة للرئاسة اللبنانية ولا إنكارًا لحقهم الطبيعي في الترشح، ولكن استغرابًا لحرمان الموارنة الآخرين من ممارسة حقهم الدستوري بالترشح، رغم أن الطائفة المارونية تزخر بالشخصيات الكفؤة والنزيهة والمؤهلة لأن تكون في واجهة المؤسسة السياسية في لبنان.
لا جدال في أن تركيبة لبنان المذهبية والإثنية المعقدة تبرر، مرحليًا على الأقل، العمل بنظامه السياسي الموصوف مجازًا بـ«الديمقراطية التوافقية». ولكن طغيان توافقية النظام على ديمقراطيته، في الآونة الأخيرة، حوله إلى كونفدرالية طوائف تتمتع باستقلالية شبه ناجزة في صياغة قرارها السياسي (اللبناني مبدئيًا). إلا أن اللافت أن هذه الاستقلالية بدأت تتخذ منحى التعامل مع الأحوال السياسية لأبناء طائفتها على غرار تعاملها مع أحوالها الشخصية: تتفرد بنفسها في اختيار مرشحيها للمناصب الرسمية العليا وترفض أي تدخل «خارجي» في خياراتها.
في هذا السياق يمكن تفهم حرص الطائفة المارونية على حصر عدد الأقطاب السياسيين «المقبول» ترشيحهم للمنصب الأول في لبنان بأربعة كبار (أمين الجميل وسمير جعجع وميشال عون وسليمان فرنجية).
ولكن «الرباعية» المارونية عطلت عملية الاقتراع الديمقراطي للرئيس وأوصلتها إلى طريق مسدود، فلا أحد من الأربعة الكبار يتنازل عن ترشحه لأي من الثلاثة الآخرين، ولا الصيغة «الرباعية» تسمح بترشح سياسي ماروني من خارج النادي الرباعي، الأمر الذي قد يستدعي، في حال مراوحة الأزمة مكانها، تعديل الدستور اللبناني واستبدال المنصب الرئاسي الأول بمجلس رئاسي رباعي يحل، ولو مؤقتًا، العقدة الرئاسية.
ولكن المفارقة في الصيغة الرباعية المارونية أن المنصب المطلوب إشغاله هو رئاسة كل لبنان لا رئاسة الطائفة المارونية فحسب. لذلك كان يفترض بزعماء الطوائف اللبنانية الأخرى الذين التقوا حول طاولة حوار وطني ألا يساهموا - ربما عن غير قصد - في تكريس صيغة نادي الرئاسة الرباعي المغلق ويرتضوا بأن يخوضوا، على طاولة الحوار الوطني، جدلاً عقيمًا حول «مواصفات الرئيس» أوحى بقبولهم الضمني لصيغة النادي الرباعي للمرشحين دون أن يقدم مساهمة تذكر لملء الفراغ الرئاسي.
مشكلة اللعبة السياسية في لبنان أنها «تمذهب» القضايا العامة و«تشخصنها». وما كان مطلوبًا طرحه على طاولة الحوار الوطني ليس مواصفات الرئيس المنتظر انتخابه بل مواصفات المرحلة التي سيعيشها لبنان في السنوات القليلة المقبلة. على ضوء تحديد هذه المواصفات كان يفترض اقتراح المرشح الأكثر قدرة على معالجة مشكلات المرحلة.
على هذا الصعيد قد لا يختلف لبنانيان على أن المرحلة الصعبة التي سيواجهها لبنان في السنوات الست المقبلة (عمر الولاية الرئاسية) لن تكون سياسية بقدر ما هي معيشية – اقتصادية، أي مرحلة تقتضي طرح أسماء مرشحين تقنيين، لا سياسيين، من أمثال حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، أو منقذ شركة «نيسان» اليابانية من الإفلاس، كارلوس غصن.. والكثير من اللبنانيين الذين أثبتوا كفاءتهم في المجالات الاقتصادية والمالية سواء في الداخل أو الخارج.
أما التذرع باللون السياسي لمرشح الرئاسة كقاعدة لترجيح انتخاب مرشح على آخر من القائمة الرباعية فلا يبدو مقنعًا على اعتبار أن السياسة الخارجية للرئيس القادم لن تحددها بيروت بقدر ما ستتحكم بها تطورات نزاعات المنطقة وموازين القوى الناتجة عنها. وفي حال استمرار التوافق الدولي والإقليمي على المحافظة على هدوء «الجبهة اللبنانية» وسط رمال الشرق الأوسط المتحركة قد يصح الافتراض بأن دخول روسيا كلاعب أساسي على ساحة نزاعات الشرق الأوسط من شأنه تعزيز فرص عدم تورط لبنان في هذه النزاعات والأرجح طرح تسوية روسية – أميركية شاملة لنزاعات الشرق الأوسط.. مما يعني أن الرئيس اللبناني القادم سيكون منفذًا للقرارات الدولية أكثر منه مقررًا.